فلسفة ورؤية المؤلف

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

نحن في أمس الحاجة إلى تدين يُحي البُعد الرُّوحي، والأخلاقي، والجمالي، يقبل تعدد المدارس الدينية، يُفعّل التفكير النقدي، ويعمل على تخليص العقل من الأدلجة، والتصنيف الإقصائي، التّدين لا يحتاج مقاتلين في حالة صراع مفتوح مع المختلف، لكن يحتاج قلوبا قادرة على الاتصال الروحي بربّها، والتعامل الأخلاقي مع الكون، في عالم بلا أسوار نحتاج إلى بناء جسور ليس مع الآخر فحسب، بل مع ماضينا، دون أن ننفصل عن أسئلة حاضرنا، وهمومنا، جسور تضيق الفجوة الكبيرة بين التراث الديني والفكر المعاصر.


نبني معرفة دينية أكثر تصالحا مع الله والنفس والعلم والعالم، تُحقق التوازن المفقود في علاقة الدين بالاجتماع، والمطلق بالنسبي، والله بالإنسان.. نتجاوز فيها العقل الجدلي، والحالة الحرفية المسيطرة على العقل الجمعي، المتوسعة في صناعة المقدس على نحو أضرّ بالدين المقدس، ننتقل فيها من الحرفية إلى المعنى، ومن المعنى إلى معنى المعنى وفق أدوات علمية.. وفي مقدمة تلك الأدوات الدراسات اللغوية التي تكشف أثر السياقات في تحديد المعنى، والوصول إلى المغزى..
فاللغة وسيلتنا الوحيدة إلى اكتشاف العلاقة بين الله والإنسان والعالم، ولن نستطيع بناء تصورات فاعلة في علاقتنا بالكون، دون إعادة النظر في طريقة تعاملنا مع اللغة، وبناء تصورات علمية حول طريقة عملها، فتصوّرنا حول كيفية عمل اللغة هو سبيلنا للخروج من هُوّة السقوط الحضاري.


كذلك لا يُمكن أن نخرجَ من هوّة السقوط الحضاري ونبني في الحاضر، ونستشرف المستقبل دون الاعتراف أنّ هنّاك مشكلة ممتدة عبر تاريخنا تتجاوز مئات السنين، تتمثل في أننا نجعل فكرنا حول الدين دينا نقاتلُ من أجله، فما حاول المسلمون شرحه من مفاهيم الدين الإسلامي، وما قدّموا من ردود حول الشبهات والانتقادات، تحوّلتْ من اجتهادات وآراء ومذاهب حول أصول الدين إلى دين مقدّس عند أصحاب كلّ مذهب، ينظرون إلى ما عداه بوصفه انحرافا وضلالا.


لا يُمكن أن ننهض دون إصلاح الفكر الديني فهو مقدمة كلّ إصلاح نرجوه في مجتمعاتنا، وبداية الإصلاح أن نعترف أن الفكر الديني يعيش أزمة في مجتمعاتنا، من أسبابها جمود تأويلاته، وغياب التحديث عن مناهجه، وكأنّه ليس في الإمكان أبدع مما كان، فأُدخلت مناهج إنتاج المعرفة الدينية في دائرة المقدس، على نحوٍ حرمها من التجديد، الذي اُتّهم بأنّه موقف معرفي رافض للتّراث، والواقع أنّ التجديد ليس دعوة للقطيعة مع القديم، فدوما نحن في حاجة إلى حركة مستمرة بين القديم والجديد كحركة بندول الساعة، نكتشف فيها المسكوت عنه والمهمش من التراث، فلن نكون ورثة جديرين بتراثنا العريق إلا إذا اتّبعنا منهج تعميق "المعقول" في تراثنا، وليس إعادة نشر اللامعقول وتبريره، فالمشاركة في نشر الثقافة البدائية وإضعاف العقلانية يتعارض مع تعزيز الفكر أحد تكليفات الإسلام، فشعار المؤمن: "أنا مؤمن أنا أفكر".


وتظلّ الإشكالية الأخطر التي تُهدد العقل الجمعي تحديد المفاهيم، على سبيل المثال ظلّ مفهوم الشريعة والعقيدة والدين في الاستعمال القرآني بمعنى واحد بلا تمييز بينها حتي عصر ابن رشد الذي الذي رأى البرهان و"الشريعة" أختين، وقصد بالشريعة "الدين" بالمفهوم العام المشترك بين جميع الأنبياء، غير أنّ الشريعة اليوم في لغة المعاصرين حملت مدلولا ثانيا فهي الأحكام الفقهية المختلفة باختلاف الأنبياء، المتعددة بتعدد مذاهب المسلمين واجتهاداتهم، فالشريعة بالمفهوم الأول الإسلام بمفهومه القيمي، ومبادئه القرآنية العامة، فهذا هو جوهر الإسلام رسالة الأنبياء جميعا الذي ينْهى عن الإفساد والظلم، ويأمر بالإصلاح والعدل، وهنا يلتقي الإسلام مع الفطرة/ الإنسانية، بينما الشريعة بالمفهوم الثاني اجتهادات بشرية من أئمة نُقدّرهم، ونُثمّن اجتهاداتهم، فلا يُمكن إهدارها، لكن في الوقت نفسه لا يُمكن أن نتجاهل أنها ذات سياقات اجتماعية يتعارض بعضها مع الواقع المعاصر لاختلاف السياقات المصاحبة لكل منهما.


مثال آخر: التسامح الذي نريده، ليس التسامح بمدلوله اللغوي حيث تُشير الدلالة اللغوية إلى وجود فارق اجتماعي بين متسامِح (بالكسر) ومتسامَح معه (بالفتح)، فليس هناك مساواة بين الطرفين، فالتسامح لا ينفك عن المنّة والكرم في المدلول اللغوي، فمدلول التسامح اللغوي اجترّ عبر تاريخنا مشتق من السماحة بمعني الجُود، وفي "الجُود" يُوجد طرفان: يدٌ عليا واهبة، ويدٌ سفلى متلقية، ولم يُطوّر العقل العربي مفهوما ثانيا للتسامح؛ لأنّه يستدعي تُراثا تراكميا يُعبر عن فكر واحد يتوحد معه، ولا يتنقل بين أنماط متنوعة من التراث على نحو يُمكنه من أن يُطوّر من أفكارنا.. ويأتي في المقابل مدلولا ثانيا للتسامح، طوّره الدّرس الفلسفيّ، ليس مدلوله اللغوي في العربية أو الإنجليزية "Toleration"، حيث يرتبط بموقف فردي اختياري يتنازلُ فيه شخص عن حقٍّ من حقوقه تكرما ومِنّة على الآخرين، وإنّما أصبح واجبا تفرضه الحرية الشخصية التي يُراد لها أن تكونَ متساوية بين الجميع، فالتسامح الذي نُريد له أن يسود في مجتمعاتنا العربية هو موقف إيجابي يتفهّم ضرورة قبول تعدد وتنوع الأفكار والعقائد والمذاهب والثقافات، فيسمح بالتعايش مع المختلف بعيدا عن العنف الإقصاء.. التسامح بهذا المفهوم أحد قيم المجتمع المدني، فلا يُمكننا أن نتصوّر مجتمعا مدنيا دون تسامح، ولا تسامح دون مجتمع مدني كصيغة استيعابية للتنوع الديني والمذهبي والعِرقي للمجتمع في الدولة المعاصرة، وكصيغة يُمكنها تحقيق طموحات الجميع في حقوق متساوية، ونزع فتيل التوتر والصراع.


التحول من حالة التّوحشِ/ العنفِ الحاضرُ ثقافةً وخطابا إلى اللاعنف يحتاجُ إلى تحولٍ في المفاهيم، والقيم السائدة بمجتمعاتنا؛ فترتكز على التفكير في مقابل التكفير، ونسبية المعرفة الدينية في مقابل امتلاح الحقيقة المطلقة، والتسامح في مقابل التعصب، وقبول الآخر دون رفضه، وتحلّ التضحية بدلا من الأنانية، وهنا تترسّخ قيمة الإنسان في المجتمع، فالفرد قيمته مستمدة من كونه إنسانا، فمناط التّكريم أنّه إنسان قبل كلّ شيء كما قال الله عز وجل: "ولقد كرّمنا بني آدم"، وعلى حد تعبير كارل روجرز: "لا يُوجد وحش في الإنسان، الإنسان به إنسان" إطلاقه سيُقود بالضرورة إلى النسق التسامحي.