
رمزية الحسين رضي الله عنه في المسرح العربي - مسرح عبد الرحمن الشرقاوي أنموذجاً
التزم الكاتب في تصويره للشخصية بأبعادها التاريخية ومرجعيات عصرها؛ فأضاف إلى النص موضوعية احتفظت برونق وبهاء الشخصية، متجنبًا النصوص التاريخية من مراسلات وخطب؛ ليحتفظ النص بالمغزى قريبا من عقلية القارئ، فلا ينشغل بالتفاصيل التاريخية عن الملامح الملحمية للمسرحية والرمزية لشخصية الحسين -رضي الله عنه.وتشاركت الحقائق والأخبار التاريخية مع مشاعر وأفكار الكاتب الذاتية في تشكيل الشخصية في جانبيها التاريخي والنفسي، في بعدها الواقعي كمنطلق -لابد منه- لرمزيتها، فجاءت الحوارات التي استنطق بها الكاتب شخصياته، والأحداث الفنية في تطورها وتنامى الصراع وتأزمه وصولا للنهاية متسقة مع مرويات التاريخ.ولم يكتف الكاتب بالتاريخ، فما تناقلته الكتب التاريخية بضع روايات محدودة، لا تتجاوز عدة سطور، لو نقلها الكاتب لما شيّد بناءً مسرحيا، فشخصية الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في النص السردي ليست صورة حرفية، منقولة من صفحات التاريخ، فترك الكاتب لخياله العنان؛ ليستكمل أبرز الجوانب المجهولة من شخصية الحسين رضي الله، وهو الجانب النفسي الدوافع والمبررات التي حتمت عليه أن يتخذ هذا القرار التاريخي أو ذاك.. فجاءت شخصية الحسين في النص ذات محتوى سيكولوجي خصب. كما حقق الكاتب الانسجام والتآلف بين الدواخل النفسية والحقائق التاريخية في تشكيل شخصياته التاريخية، فبدت الوقائع والأحداث متسقةً مع الدوافع الداخلية، وموظفة بدقة لجلاء حالتها النفسية، وتركيبتها الفكرية.وانطلق الكاتب من القالب الواقعي للشخصية في جانبيها التاريخي والنفسي إلى المستوى التجريدي الرمزي لشخصية الحسين ثائرا وشهيدا، فبدا رمزا للإنسانية الحالمة في مثاليتها، المعذبة في ثورتها ضد حياة الأطماع والشهوات والمخاوف، ورمزا في شهادته للتضحية بالأنا من أجل الإنسانية، ورمزا لوحشية الشر في مواجهته لأحلام التحرر.. رمزا للصفاء والنقاء والعشق الإلهي، فطريقه إلى الله هو الحب، رمزًا للثأر من كل انتكاسة وخذلان لصاحب حقٍّ، ثأر من كل لحظة ضعف أمام شهوة، أو تفريط أمام سطوة.ومن تجليات رمزية الحسين ارتباطه بمعاني الحرية ومقاومة المستبد والثورة على الظلم، فاتخذه المسلم وغير المسلم رمزا للخلاص من الحالة التي تعيشها كثير من البلدان في واقعنا من ظلم وإذلال وقمع، رأينا الحسين رمزا للثبات على المبدأ لا يعدو عنه قيد أنملة، فلا يرضى له تحريفا ولا لموقفه انحرافا أو مساومة،وأمسى بعض أنصاره رمزًا للخيانة عندما تضعف النفس الإنسانية عن الانتصار للحق، بل وتنحاز إلى ظالميها، ففي المسرحيتين أمسي مبايعوه هم مسلموه للقتل.ومن ناحية أخرى حمل زمن المسرحيتين دلالة رمزية، فزمن يزيد يتجدد ومعركة كربلاء لم تنتهِ.. بل إنها تندلع كل يوم في عالمنا في صراع مستمرٍ ما دامت الحياة بين من يعيشون لذواتهم، ومن يموتون من أجل غيرهم، بين عبيد الأنانية ودعاة الإنسانية، شخصية الحسين في المسرح العربي رمز الضمير الحرّ، والكلمة الحيّة التي لا تموت، فمن مات دون كلمته حيٌّ شهيد.. ومن عاش وكتم كلمة الحق فهو قبر يمشى بداخله ضمير ميّت.وحملت مسرحيتا الشرقاوي ثنائية وتضاد هما أبرز سمات الحياة حين يغدو الشيء ونقيضه صنوين لا يفترقان، يشكلان من مفارقات عجيبة عالم الحياة الواقعي المتناقض الغامض غموض الإنسان نفسه. وأسهمت ثنائية الشخصيات وضدية مواقفها في إبراز المعنى وتجسيد شخصيات طرفي الصراع.وأخيراً أتت لغة مسرح عبدالرحمن الشرقاوي تصويرية كاشفة للمستويين التاريخي والنفسي لشخصية الحسين رضي الله عنه، كما أنها لغة إيحائية فتحت بألقاب الحسين آفاقا غير متناهية من الدلالات في نفوس القراء، ولغة تمثيلية مرصَّعة بعدد كبير من الاستعارات المبتكرة، والتشبيهات البديعة، ونزع الكاتب في لغته منزع لغة المتصوفين في عمقها، وكثافة محمولاتها الدلالية، وإشاريتها في بعض المواقف، واتسمت لغته النثرية بموسيقية شعرية مُحلقة مستمدة من عمق الشعور وصدق العاطفة ورقة التعبير، كما ظهرت ثقافة الشرقاوي الإسلامية في ثراء الأفكار وتنوع البراهين في حوارات شخصياته، وتناص لغتهم مع بعض معاني القرآن، مبرهنا الشرقاوي على حبّه العميق الصادق لآل البيت بمسرحه الذي ارتقى إلى ذروة الصدق الفني، فيخيل للقارئ أن زينب بنت علي هي الناطقة حقيقة بعبارات الرّثاء التي تقطر أسًا ولوعة على أخيه الحسين رضي الله عنهم أجمعين.
روابط البحث

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.