في ذكرى ميلاد نبي الرحمة والإنسانية والتسامح
كل كتاب من كتب السيرة يُمثّل مجموعة اختيارات للكاتب، وأن المصادر الأصلية جمعت ما هو أوسع، وأن هذا الأوسع يحتاج إلى قراءة بعقل نقدي للفرز والتحقيق والتأويل أحيانا
أجمل التهاني بمناسبة عيد ميلاد نبي الرحمة، كما قال الله وليس نبي الانتقام كما يراه المتشددون.. النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد الله أن يُثني عليه كان الثناء على أخلاقه، فقال تعالى: "وأنك لعلى خلق عظيم"، وعندما أرادت السيدة العظيمة خديجة رضي الله عنها أن تُواسيه لحظة خوفه من جبريل في أول لقاء له –صلى الله عليه وسلم- بالوحي، وكان زواجهما قد مضى عليه خمسة عشرة عاما وسلم، عندما قالت: "والله ما يخزيك الله أبدا". قائلة: لن يُخزيك الله أبدا، ودللت على كلامها بخمسة أسباب: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ (العاجز)، وتُكسب المعدوم، وتقري (تكرم) الضيف، وتُعين على نوائب الحق(مصائب الحياة)". لم تتحدث أمّنا عن علاقة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالله، بل تحدثت عن علاقته صلى الله علية وسلم بالناس/ المجتمع الجاهلي، فهو واصل غير قاطع، وحنوٌ على ضعفاء المجتمع غير قاسٍ بين الناس بهمومهم وآلامهم، يبذل عاطفة ومالا وحُسن خُلق - صلى الله عليه وسلم- لذا كان حكم أم المؤمنين خديجة رضى الله عنها له بأن الله معه وليس خاذله"؛ لذا عندما طلبت مني مراسلة يابانية أن أقدم موقف يُترجم في دقيقتين يُعرّف بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن الاختيار صعبا اخترت حوار السيدة خديجة مع النبي أول نزول الوحي..
النبي صلى الله عليه وسلم إنسان بكل ما تحمله المعاني الإنسانية النبيلة، إصلاحي يخوض معترك إصلاح المجتمع، وهو يحمل سماحة وحبّ الأنبياء لجميع المخلوقات بلا استثناء.. وهذا ما جعله يدعو للمحاربين ضده بعد معركة أحد، رغم جراحه ومَن فقد من الأحبة على أيديهم، بقوله "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون؟
وفي أول يوم خطر فيه على بال بعض المسلمين من الأنصار من أهل المدينة إكراه أولادهم على الإسلام، هو اليوم الذي أنزل الله فيه قوله تعالى "لا إكراه في الدين". فكانت المرأة من أهل المدينة مِقلاة – أي لا يعيش لها ولد – فتوجب على نفسها قبل الإسلام إن عاش لها ولد أن تُهودّه، فلما أُجليت بنو النضير من المدينة كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لا ندع أبناءنا، أرغمهم يا رسول الله، فأنزل الله تعالى "لا إكراه في الدين"، وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: "قد خير الله أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم".
علينا أن ننتبه، وأن نحذر من السمّ الذي تضعه جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين" في العسل عندما تقدّم سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، في صورة القتّال المُحارب الذي يخرج من غزوة ليدخل في أخرى، في محاولة منهم لمنح مشروعية لأفكارهم الصدامية، متجاهلين الأدوار الاجتماعية التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلام، وكان لها أثر كبير في نشر قيم التسامح، والعدل والحرية، متجاهلين، كذلك، أن المواجهات العسكرية التي خاضها، صلى الله عليه وسلم، فُرضت عليه فرضًا من قومٍ رفضوا حقّ المسلمين في الاختلاف العقدي، وسَعَوا إلى إبادتهم.. ما لغتنا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرآة تنعكس عليها ما في نفوسنا.. دعاة الكراهية سيدّعون أنّ العنف والصدام حتمي في سيرته، ودعاة البناء والتسامح سيجدون الإنسانية والنبل عنوان سيرته صلى الله عليه وسلم.
بدأت علاقتي بالسيرة أحفظ وأسلّم بكل ما جاء فيها وكأنّها وحي وهذا أتذكره بوضوح عندما كنت طالب ثانوي أمثّل القليوبية في مسابقة القطاع في السيرة النبوية بوزارة الشباب.. ومع تشكّل التفكير النقدي الذي تأخّر بتأخر تنوع المدخل الفكري إلى عقلي بدأت أقرأ السيرة بشكل مختلف وأدرك أن كل كتاب من كتب السيرة يُمثّل مجموعة اختيارات للكاتب، وأن المصادر الأصلية جمعت ما هو أوسع، وأن هذا الأوسع يحتاج إلى قراءة بعقل نقدي للفرز والتحقيق والتأويل أحيانا، يحتاج إلى قراءة عميقة لاكتشاف السياقات الخارجية المنتجة للحدث، لذا كان كتابي "السيرة النبوية". ى...
من العادات الجميلة ربط ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الطفل بطعم الحلوى.. انتهز أي فرصة لصناعة الذكريات..
أعاد الله علينا هذه الأيام ونحن في إنسانية فتلك وحدة الفطرة بلا انقسامات مذهبية أو عنصرية.. وفي أمن وسلام بلا حروب ولا دماء.. وفي قلوبنا عفو ورحمة وتسامح النبي الكريم.. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّهِ أَدَاءً وَأَعْطِهِ الْوَسِيلَةَ وَالْمَقَامَ الَّذِي وَعَدْتَهُ.
روابط المقال
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.