عندما يتصالح الاجتهاد الفقهي مع العلم.. إثبات بنوة طفل المغتصبة بإجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA)
لماذا رجّح الأزهر اجتهادا ونقيضه في قضية واحدة؟
قضت محكمة استئناف المنصورة في القضية رقم (9829/75ق) لسنة 2026 بإثبات بنوة طفل المغتصبة، وكانت المحكمة قد طلبتْ من الأزهر إبداء الرأي الديني في القضية، فجاء ردّ الأزهر متمثلا في لجنة الفتوى بمجمع البحوث برفض إثبات النسب، ([1]) ثمّ جاء ردّ الأزهر متمثلا في أمانة هيئة كبار العلماء بقبول إثبات النسب، ([2]) وهو مما استندت إليه المحكمة في حكمها.
وهذا يطرح عدة أسئلة: لماذا رجّح الأزهر اجتهادا ونقيضه في قضية واحدة؟ كيف أن اختلاف الجهات المنوط بها الفتوى في الأزهر رحمة، وليس فوضى؟ وكيف أن هذا الاختلاف كاشف لأدوات استخراج الأحكام الفقهية؟ ما أدلة مجمع البحوث الإسلامية في رفض إثبات النسب؟ وما أدلة هيئة كبار العلماء في إثبات النسب؟ وكيف أنّ هذا الاختلاف بينهما يُؤكّد تنوع التراث الفقهي (الشريعة) ومشروعية الاختيار بين اجتهاداته، وإن خالف الاختيار رأي جمهور الفقهاء؟ كيف أنّ الدين الإسلامي داخله تعدد في الفكر الديني الإسلامي، فمن الخطأ الجمود عند فكر بعينه؟ ما حيثيات المحكمة في القول بإثبات النسب؟
البداية عندما تقدّمت سيّدة تعرّضت لجريمة الاغتصاب إلى محكمة استئناف المنصورة بالدعوى رقم 592 لسنة2021؛ لإثبات نسب طفلتها لأبيها المُدَان بالاغتصاب بحكم محكمة النقض، التي قضت بعقوبته بالسجن سنة مع الشغل، وكان الدليل الذي استندت إليه محكمة النقض في القضية هو تحليل البصمة الوراثية (DNA) الذي أجرته النيابة أثناء التحقيق في قضية الاغتصاب، فبعد أن قضتْ محكمة الدرجة الأولى، والمستأنف ببراءته من جريمة الاغتصاب، طعن النائب العام المصري على الحكم، وطلبتْ النيابة تحليل البصمة الوراثية الذي أثبت نسب الصغيرة للمتهم، وكان من أدلة الإدانة حيث يُؤخذ بتحليل البصمة الوراثية (DNA) في الشقّ الجنائي.
لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فعندما توجّهت السيدة إلى محكمة الأسرة لإثبات نسب طفلتها حكمت محكمة استئناف المنصورة في سابقة هي الأولى من نوعها في القضاء المصري بثبوت البنوة الكاملة للطفلة التي وُلدت من حادث اغتصاب ونسبتها لأبيها، مستندة إلى نتيجة البصمة الوراثية للحمض النووي (DNA) ، وكان من حيثيات الحكم "ترجيح أمانة هيئة كبار العلماء إثبات نسب الطفلة إليه، وترتيب جميع الآثار المترتبة على النسب الصحيح في حقّها، فتثبت لها جميع حقوق الأبناء الناشئين عن زواجٍ شرعيٍّ من نفقة، ورعاية، وإرث، وسائر ما كفله الشرع الحنيف للأولاد صيانة لحقوقهم وحفظا لكرامتهم الإنسانية. وهذا لا يعدّ بحال من الأحوال إقراراً بجريمة الاغتصاب أو تهويناً من شأنها.. فالشريعة الغراء قررت أصلاً عظيماً لا يتخلف: وهو {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}؛ فلا يحمل الطفل تبعة جريمة لم يقترفها".
وقد أرفقت المحكمة في أوراق القضية فتوى مجمع البحوث الإسلامية، وفتوى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف المختلفين بين الرفض والإثبات، فجاء ردّ الإدارة الشرعية التابعة لمجمع البحوث الإسلامية على الخطاب الوارد من محكمة استئناف المنصورة الدائرة 31 أسرة، وقرار المحكمة الصادر بتاريخ 26-7-2025 بخصوص إبداء الرأي الشرعي في القضية الاستئناف رقم 9829 ل 75 ق أسرة في المنصور بعدم إثبات نسب الطفلة التي أتتْ من اغتصاب، ورأت أنّ فتواها تحمى عقد الزواج وحقوق الزوجين والولد والأسرة والمجتمع.
وقد بنى مجمع البحوث الإسلامية حكمه برفض النسب على ثلاثة أمور:
أولا: أنّ النسب من المهمات التي اعتنت بها الشريعة الإسلامية، فلا يثبت إلا إذا كان الطفل ناشئًا عبر الإطار الشرعي، الذي رغّب فيه الشرع، وهو النكاح الصحيح (الفراش) فقط، فعن طريقه فقط تترتب الأحكام الشرعية والحقوق الثابتة من النفقة، والولاية، والحضانة، والتحريم بالمصاهرة، والميراث، والقصاص في الأحكام، وما ثبت النسب إلا تكريمًا للمنتسب، وليس كرامةً للمعصية.
ثانيا: فيما يتعلق بشأن إمكان نسبة الطفلة إلى الزاني، فقد اتفق الفقهاء على أنه: إذا كانت المرأة فراشًا أي زوجة وولدت من الزنا، فإن الولد يُنسب إلى زوج المرأة صاحب الفراش، ولا يثبت نسبه للزاني بحال؛ وإن نفاه صاحب الفراش؛ عملًا بقول النبي ﷺ: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". ([3]) ومعنى: "للعاهر الحجر" أي له الخيبة، ولا شيء له، كما تقول: "بفيك الحجر"، أي لا شيء لك. ([4])
أما إذا كانت المرأة غير فراش، أي ليست زوجة، فقد أجمع الفقهاء على أن الولد يُنسب إلى أمّه، ولا يُنسب إلى الزاني ما لم يستلحقه، ولم يُعلم أن أحدًا من العلماء قال بنسبة ولد الزنا إليه في هذه الحالة.
والذي استقرَّت عليه اللجنة من خلال عريضة الدعوى وما أُرفق بها من مستندات، هو أن المدعى عليه أقرَّ بالفعل، لكنه لم يستلحق الطفلة به نسبًا، وذلك لا يُعبر على ثبوت النسب كما قرره الفقهاء.
ثالثا: المرأة ليس لها الحقّ في إلحاق الطفل بأبيه إلا بزواج، فإن كان الطفل من غير زواج فاستلحاق الطفل أي إثبات نسبه يكون بناء على طلب الرجل فقط وليس المرأة، فهو حقّ للرجل وليس لغيره.
وقد اختلف الفقهاء إذا طلب الأب الزاني أن يثبت نسب الطفل على قولين:
القول الأول: أنه يُلحق بأمّه، ولا يُلحق بالزاني، وإنّ ادّعاه لنفسه، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل العلم؛ لحديث عائشة، رضي الله عنها: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، ([5]) ووجه الاستدلال: أنّ النبي ﷺ حصر ثبوت النسب في الفراش (الزواج)، ولم يجعل ولداً لغير الفراش، فلم يلحق الولد بالزاني؛ كما أنّ النسب نعمة من الله تعالى في علاقة مشروعة، فلا ينبغي أن يترتب ثبوت النسب على الزنا، وهو جريمة؛ فالشرع جاء بحفظ النسب وصيانته، وجعل لإثباته طرقاً منها عقد النكاح الصحيح، فلا يسوى بين النكاح والسفاح، فماء الزنى هدر لا حرمة له، ولا يترتب عليه أثر، فلا يلحق به إذا استلحقه، كما أن الزنى قد وقع في العصور المتقدمة، ورجم الزناة، ولم يبلغنا عن أحد من المسلمين أنه قضى مع ذلك بإثبات نسب المولود للزاني! فعلينا العمل بما جرى عليه عمل المسلمين عبر العصور. ([6]) وأضيف هنا أنّ مقولة: "ماء الزنا لا حرمة له، ولا يترتب عليه أثرا" ليست مسلمة ولا قاعدة فقهية، فليست محل إجماع، ولا ترجيح من الفقهاء، فجمهور الفقهاء على ثبوت حرمة الرضاع والمصاهرة بماء الزنا، ومن ثمّ لا يكون هدرا، فيثبت به النسب كما ثبت به التحريم. ([7])
القول الثاني: أنه يُلحق بالزاني إذا استلحق الزاني الطفل أي إذا أقرَّ بنسبته إليه، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم.
وعليه: فقد أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا أقرَّ بأنه زنى بامرأة، وحملت منه، ولم يُقرَّ بنسبة الحمل إليه، فإن الحمل لا يلحقه، ولا يمكن نسبته إليه. أما إذا أقرَّ به، وأراد استلحاقه ونسبته إلى نفسه، فلعدالة المحكمة الأخذ بما تراه مناسبًا لها من أحد القولين السابقين.
أما عن إثبات النسب بتحليل البصمة الوراثية (DNA): فإن ذلك لا يكون إلا مع وجود زوجية قائمة (فراش) وقت ابتداء الحمل، ويكون التحليل حينئذٍ قرينةً تُعين في الإثبات، لا وسيلةً مستقلة لإثبات النسب أو نفيه. فإذا انتفى الفراش فلا يثبت النسب بمجرد تحليل البصمة الوراثية؛ لأنه من فعل البشر، وهو عرضة لاحتمال الخطأ.
وأما ما ورد في عريضة الدعوى بشأن أرجح الأقوال في المذهب الحنفي المعمول به في القانون المصري: فإنه لم يرد في المذهب الحنفي - فيما وقفنا عليه -أن ولد الزنا يُنسب إلى الزاني إذا لم يستلحقه لنفسه، بل جلّ ما رُوي، ونقله ابن قدامة رحمه الله: أن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، قال: "وروى علي بن عاصم عن أبي حنيفة، أنه قال: لا أري بأسا إذا زنى الرجل بامرأة فحملت منه، ثم يتزوجها مع حملها، ويستمر عليها، والولد ولد يُنسب إليه". ([8])
وهذا يدل على أنه إذا أراد نكاحها، ونسبة الولد إليه جاز ذلك في هذه الرواية، أما إذا لم يُرد ذلك، فلا يُجبر عليه، ولا يثبت النسب بمجرد الفعل. وقد جاء في كتاب: "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكسائي الحنفي ج6، ص243) "وَإِذَا عَرَفْت أَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ مِنْ الرَّجُلِ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا صَارَتْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا وَكَيْفِيَّةِ عَمَلِهِ فِي ذَلِكَ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ الْمَرْأَةُ تَصِيرُ فِرَاشًا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا عَقْدُ النِّكَاحِ وَالثَّانِي مِلْكُ الْيَمِينِ".
في المقابل جاءت فتوى هيئة كبار العلماء مثبتة للنسب مستندين في ذلك إلى أن الشريعة تتطلع إلى إثبات النسب؛ لما في الإثبات من مصالح شرعية معتبرة، فيقول ابن عابدين الحنفي: "النسب مما يُحتال لإثباته بما أمكن"، كما أن الشريعة تحتاط لنفي النسب؛ ولهذا فإن النسب يثبت بالطرق الظنية بضوابط معتبرة عند الفقهاء، منها القيافة([9]) والاستلحاق بينما لم يقل أحد من الفقهاء بنفي النسب بشيء من هذه الأشياء، لما في النفي من مفاسد محققة؛ ولا ينتفي إلا باللعان بشروطه، وواقعة الدعوى تتعلق بإثبات النسب من حالة الاغتصاب من فتاة لا زوج لها مع وجود تحليل البصمة الوراثية الذي يُثبت البنوة.
فأوصت هيئة كبار العلماء بأنّه لا مانع من الأخذ بنتيجة تحليل البصمة الوراثية في جانب إثبات النسب بشروط، بينما يظل الاعتماد على البصمة الوراثية في النفي مسألة اجتهادية ظنية لا ترقى للترجيح على الفراش الصحيح.
وأدلتهم:
1-أخذ بنمط اجتهادي عرفه الفقهاء لاسيما الشافعية، وهو كما قال الشيخ البجيرمي: "وينبغي أن يُلحق بالمعصوم ما لو دلّت عليه القرائن القطعية". فرأت الأمانة أنّ تحليل البصمة الوراثية يندرج تحت هذا النمط في الاجتهاد والاستنباط.
2- أن نفي النسب عن الزاني اعتبره الفقهاء عقوبة له قديما مع استحقاقه للعقوبة الحدّية، بينما الواقع الآن أن إثبات النسب هو العقوبة، والمكافأة هي نفي النسب عنه، إذ إثبات النسب فيه إلزام بالنفقة، مع ما يترتب على ذلك من الحفاظ على مصلحة الصغير.
واستندت الأمانة إلى أنّ الفقهاء قد اختلفوا في الاستلحاق/ إثبات نسب الطفل من الزنا على قولين:
القول الأول: لا يثبت النسب بالزنا، وهو قول جمهور الفقهاء. فابن الزنا لا يُنسب إلى الزاني، ولو ادّعاه، واستلحقه به، وهو قول عامة العلماء من المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم .قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: فكانت دعوى سعد سبب البيان من الله عز وجل على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - فِي أَنَّ الْعَاهِرَ لَا يَلْحَقُ بِهِ في الإسلام ولد يدعيه من الزنى، وَأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وقال النووي: "وقال مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم: لا أثر لوطء الزنى، بل للزاني أن يتزوج أم المزني بها وبنتها، بل زاد الشافعي فجوز نكاح البنت المتولدة من مائة بالزنى" ([10])
وفي المغني: "ويحرم على الرجل نكاح بنته من الزنى، وأخته، وبنت ابنه، وبنت بنته، وبنت أخيه، وأخته من الزنى. وهو قول عامة الفقهاء. وقال مالك والشافعي في المشهور من مذهبه: يجوز ذلك كله، لأنها أجنبية منه، ولا تنسب إليه شرعا، ولا يجري التوارث بينهما". ([11])
القول الثاني: يثبت النسب بالزنا، وهو قول بعض الفقهاء منهم الحسن البصري، سليمان بن يسار (ت 107 هـ)، وعروة بن الزبير (ت 94 هـ) وعطاء (ت 114 هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت 238 هـ) وقال به بعض فقهاء الحنابلة، ونُسب اختياراً لابن تيمية (ت 728 هـ) واختارَه ابن القيم (ت 751 هـ) ففي (حاشية الروض المربع ج7، ص45): "وإن استحلق ولده من الزنا، ولا فراش لحقه، وهو مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وإسحاق"، وفي (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ج9، ص269): "إن استلحق ولده من الزنا ولا فراش لحقه، ونصّ الإمام أحمد – رحمه الله – فيها: لا يلحقه". وقال في -الانتصار في نكاح الزانية- يسوغ الاجتهاد فيه. وقال في الانتصار أيضا: "يلحقه بحكم حاكم، وذَكَر أبو يعلى الصغير وغيره مثل ذلك"، وقال الشيخ محمد رشيد رضا: "والظاهر أنه يجب على الرجل استلحاق ولده من الزنا مع العلم بأنه ولده، بأن يكون زنى بامرأة ليست بذات فراش في طهر لم يُلامسها فيه رجل قط، وبقيت محبوسة عن الرجال حتى ظهر حملها"، وينسب إلى القديم من مذهب الإمام الشافعي، وهو الذي تُرجحه الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء. ([12])
الأدلة على إثبات نسب ولد الزنا لأبيه إذ لم تكن الأم فراشا لأحد: عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان رَجُلٌ في بَني إسرائيلَ يُقالُ له جُرَيجٌ يُصَلِّي، فجاءَته أُمُّه، فدَعَته، فأبى أن يُجيبَها، فقال: أُجيبُها أو أُصَلِّي، ثُمَّ أتَته فقالت: اللهُمَّ لا تُمِتْه حتَّى تُريَه وُجوهَ المومِساتِ، وكان جُرَيجٌ في صَومعتِه، فقالتِ امرَأةٌ: لَأفتِنَنَّ جُرَيجًا، فتَعَرَّضَت له، فكَلَّمَته فأبى، فأتَت راعيًا، فأمكَنَته مِن نَفسِها، فولَدَت غُلامًا فقالت: هو مِن جُرَيجٍ، فأتَوه وكَسَروا صَومعتَه، فأنزَلوه وسَبُّوه، فتَوضَّأ وصَلَّى ثُمَّ أتى الغُلامَ، فقال: مَن أبوك يا غُلامُ؟ قال: الرَّاعي، قالوا: نَبني صَومعتَك مِن ذَهَبٍ، قال: لا، إلَّا مِن طينٍ".([13]) ووجه الدلالة من الحديث: أن جريجا نسب ابن الزنا للزاني، وصدّق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق المولود بشهادته له بذلك، وقوله أبى فلان الراعي، فكان تلك النسبة صحيحة؛ فيلزم أن يجري بينهما أحكام الأبوة والبنوة".([14])
2-عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسا عند النبي، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إذ جاءه رجل من أهل اليمن، فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا، رضي اللهُ عنه، يختصمون إليه في ولد وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد، فقال للاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا فغلبا، ثم قال للاثنين: طيبا بالولد لهذا فغلبا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مقرع بينكم فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية، فأقرع بينهم فجعله لمن قرع فضحك رسول اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتى بدت أضراسه، أو قال: نواجذه". ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ على رضي الله عنه في إثبات نسب طفل لأبيه بالقرعة، ولا شك أن تحليل البصمة الوراثية أقوى في الدلالة من القرعة، فساغ الحكم بإثبات النسب بمقتضى تحليل البصمة الوراثية. ([15])
وبناء على ما سلف بيانه: من تأصيل شرعي ونظر فقهي، ترى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء أن للمحكمة الموقرة الأخذ بإثبات نسب الطفلة محل النزاع إلى المدعى عليه؛ استنادا إلى ما انتهى إليه تحليل البصمة الوراثية من دلالة قوية في هذا الشأن وباعتباره قرينة قوية في باب إثبات النسب عند التنازع.
وإثبات النسب في هذه الحالة لا يُعدّ بحال من الأحوال إقرارا بجريمة الزنا، ولا تسويغا لاقترافها، ولا تهوينا من شأنها؛ فهي جريمة منكرة محرمة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قائمة على الاعتداء على حدود الله وانتهاك حرماته، غير أن الشريعة فرقت بين ثبوت الجريمة واستحقاق العقوبة، وبين حفظ حقوق الأبرياء وصيانة أنسابهم؛ فلا يُؤخذ بريء بجريرة غيره، ولا تُحمل نفس إثم سواها، قال تعالى: "{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}؛ ومن ثمّ فإن إلحاق الطفلة بأبيها صون لحقها في النسب، وحماية لها من الضياع والوصم، وتحقيق لمقصد عظيم من مقاصد الشريعة في حفظ النسل، دون أن يمس ذلك حكم الجريمة أو يُخفف من قبحها الشرعي".
الخلاصة: أنّ مجمع البحوث الإسلامية نظر إلى تحليل البصمة الوراثية (DNA) بأنه احتمالي، فهو من منظوره فعل بشري قابل للخطأ، في المقابل جعلت أمانة هيئة كبار العلماء تحليل البصمة الوراثية قرينة مثبتة للنسب الذي تتشوق الشريعة لإثباته، وليس إنكاره؛ لذا أكدتْ على رفضها أن يكون تحليل البصمة الوراثية قرينة في إنكار النسب، فطفل الزنا من امرأة متزوجة يُنسب لزوجها حيث فراش الزوجية وليس للزاني، ولا يُعتدّ في تلك الحالة بتحليل البصمة الوراثية رغم أنّ إنكار النسب عن الزوج قد يكون مصحوبا بإثباته لغيره، وما يحمله هذا الرأي من تناقض حيث جعل تحليل البصمة الوراثية قرينة علمية قاطعة في إثبات النسب، ثم عاد ورفضها في إنكار النسب.
من جانب آخر، سكتت أمانة هيئة كبار العلماء عن كون حقّ استلحاق ولد الزنا بأبيه (أي طلب إثبات النسب) خاصا بالرجل، كما جاء في فتوى مجمع البحوث، ففي الوقت الذي أكّدت فتوى مجمع البحوث الإسلامية أن دعوى ثبوت النسب (الاستلحاق) للطفل المولود من الزنا حق حصري للرجل وليس للمرأة بإجماع الفقهاء، ونقلت اختلاف الفقهاء بين رأي الجمهور الرافض لإثبات النسب فيُنسب لأمه، ورأي بعضهم القائل بقبول طلب الرجل إثبات النسب، فيُنسب لأبيه، سنجد أن أمانة هيئة كبار العلماء نقلت هذا الاختلاف دون أن تُشير إلى إجماع الفقهاء على أن الاستلحاق/ إثبات النسب حق للرجل، وليس للمرأة، وأنّ الخلاف بين الفقهاء في حكم إثبات النسب خاص بحالة إذا طلب الرجل إثباته.
وكان الموقف الحضاري التاريخي لهيئة محكمة استئناف المنصورة الموقرة أنّها لم تأخذ بتوصيف لجنة الفتوى التابعة لمجمع البحوث الإسلامية لواقعة الاغتصاب بأنها واقعة زنا، استنادا من اللجنة إلى أنّ الفقه التراثي لا يُميز بينهما في الأحكام، فقررت المحكمة أنّ ثمة اختلاف فقهي شرعي بين الزنا والاغتصاب مستندة إلى مفهومهما اللغوي، والفتوى الشرعية الصادرة عام 1980 عن دار الإفتاء المصرية بأن هناك فرق بين نسب ابن الاغتصاب وابن الزنى.
كما أنّ المحكمة قررت أن ثبوت النسب ليس حقا للرجل فقط كما جاء في فتوى مجمع البحوث الإسلامية، وما استقرّ عليه الفقهاء، وإنما هو حق أصيل للأم؛ لتدفع عن نفسها تهمة الزنا، أو أن تُعيّر بولد ليس له أب معروف، كما أنّ إثبات النسب حق أصلى للولد؛ لأنه يُرتّب له حقوقا بيَّنها المشرّع والقوانين، ويتعلق بها أيضا حق الله تعالى لاتصاله بحقوق وحرمات أوجب الله رعايتها فلا تملك الأم إسقاط حقوق ولدها أو المساس بحقوق الله تعالى.
وانطلقت في حكمها بإثبات البنوة إلى قاعدة شرعية مستقرة ومتفق عليها في الفقه الإسلامي أنّ " الضرر لا يُزال بضرر"، وأنّ الضرورات تُبيح المحظورات، وأصلها التشريعي الحديث الشريف "لا ضرر ولا ضرار" وكان من تطبيقاتها ما استنبطه الفقهاء من أنّه إذا تعارضت مفسدتان رُؤي أعظمها ضررا بارتكاب أخّفها، وإذا تعارضتْ مفسدة ومصلحة قُدّم دفع المفسدة، أو بعبارة أخرى دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ورأت المحكمة أنّه من المقرر قانونا أن تحليل البصمة الوراثية، وهو التركيب الوراثي الناتج فحص الحمض النووي لعدد واحد أو أكثر من أنظمة الدلالات الوراثية، يُعدّ من الوسائل الحديثة التي سمح الشرع والقانون باللجوء إليها في إثبات نسب الطفل إذ نصّت الفقرتان الأول والثانية من القانون رقم 12 لسنة 1996 بإصدار قانون الطفل المستبدلة بالقانون رقم 126 لسنة 2008 أن "للطفل الحق في إثبات نسبه الشرعي بكافة وسائل الإثبات بما فيها الوسائل العلمية المشروعة ومن أهمها "البصمة الوراثية"..
القضية رقم (9829/75ق) لسنة 2026 استئناف المنصورة التي انتهت بإثبات بنوة طفل المغتصبة ستظل شاهدة على ملحمة إرادة وإصرار من أم الطفلة وجدتها لأمّها التي آمنت بعدالة قضية ابنتها، كما ستظل شاهدة على الدور الكبير للنائب العام المصري في تحقيق العدالة، بطعنه على براءة المتهم من قضية الاغتصاب، وإعادة القضية إلى لتحقيق مطالبا بإجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA)؛ لتعود القضية للمحكمة مرة أخرى بدليل إثباتٍ لواقعة الاغتصاب ويصدر حكم الإدانة.
كذلك تعدّ حيثيات الحكم الصادر عن هيئة محكمة استئناف المنصورة الموقرة كلمات من نور أعادت الحياة والكرامة للطفلة والأم، كما قدّمت فتوى أمانة هيئة كبار العلماء مثالا يُحتذى لتصالح الاجتهاد الفقهي مع العلم والحقوق الأساسية للإنسان.
أخيرا، سيظل ما سطّرتها هيئة محكمة استئناف المنصورة في القضية رقم (9829/75ق) لسنة 2026 حكما تاريخيا أنصف المرأة والطفلة، وحقّق العدالة مراد الله وغاية القرآن الكبرى، والمطلب الذي يطوق إليه كل إنسان، فإثبات النسب حياة فكما تقول قواعد الشريعة: "مجهول النسب في حكم الميت"، واستجابة لأمر الله عز وجل: "ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ" {الأحزاب:5}.
([1]) صدرت الفتوى برفض إثبات نسب طفلة المغتصبة في ثلاث ورقات من مجمع البحوث الإسلامية الإدارة العامة للدعوة والإعلام الديني منطقة وعظ الدقهلية بتاريخ 18 سبتمبر 2025، وتوقيع د. إسلام محمد مسعد، الشيخ مهدي محمد المهدي، الشيخ إبراهيم عوض عبد الغفار، الشيخ إبراهيم السيد إبراهيم، الشيخ سامي حسين عجور.
([2]) صدرت فتوى جواز إثبات نسب طفلة المرأة المغتصبة من هيئة كبار العلماء بتاريخ 16فبراير 2026 وتوقيع أمين سر هيئة كبار العلماء أد على محمد على مهدي.
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه 2053، ومسلم 1458. الحديث له سياق/ مقام/ مناسبة يُفهم في ضوئه وهو التنازع بين سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة رضي الله عنهما، في غلام وُلد على فراش زمعة والد عبد من جارية له، فقال زمعة هو أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي، بينما قال سعد: هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص يا رسول الله كان قد عهد إليّ به قبل موته. ولكن عبد بن زمعة كان قد أنكر كلام سعد قائلا هو أخي، انظر شبهه يا رسول الله، فنظر رسول الله فرأى شبها بين الغلام وبين عتبة، ومع ذلك حكم به للفراش، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجز، ثم قال النبي لزوجته سودة بنت زمعة أخت عبد بن زمعة احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة. فالنبي كما يقول ابن القيم كان أمام دليلين في إثبات النسب: الفراش (الزواج)، والشبه فرتّب على الأول حكما لأنه الأقوى وعلى الثاني حكما أيضا، وأضيف هنا أننا أمام واقعة قضى فيها النبي، صلى الله عليه وسلم، وفقا لمقامه قاضيا يجتهد في إصداره حكمه، فقرر القرائن ثم صدر عنها، وليس وفقا لمقام الرسالة؛ لأنه لو كان الحكم صادرا عن مقام الوحي لما أصدر النبي صلى الله عليه وسلم حكمين حكما لعبد بن زمعة وحكما لسودة بنت زمعة.. وقد قرر الأصوليون أن ما قضى به النبي، صلى الله عليه وسلم، في الباب الخصومات والنزاعات لا يدخل في باب التشريع الملزم.
([4]) يُنظر: شرح النووي على مسلم، ج5، ص294.
([5]) استدلوا أيضا بحديث حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا مساعاة في الإسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته، ومن ادعى ولداً من غير رشدة فلا يرث ولا يورث". (مسند أحمد 3416)، (سنن أبي داود (2264)، البيهقي (12283)، (زاد المعاد 5/382)، وقد ضعف هذا الحديث، وإن قيل بصحته فالحديث في سياق الفصل في نزاع وخصومة بين طرفين مع وجود فراش يتنازع حوله. حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى: "أيما مستلحق استُلحق بعد أبيه الذي يُدعى له ادعاه ورثته قضى: إن كان من حرة تزوجها أو من أمة يملكها فقد لحق بما استلحقه، وإن كان من حرة أو أمة عاهر بها: لم يلحق بما استلحقه، وإن كان أبوه الذي يُدعى له هو ادعاه وهو ابن زِنْيةٍ لأهل أمة من كانوا حرة أو أمة". (رواه أحمد، 6660)، و(أبو داود،2265)، و(ابن ماجه، 2746). والحديث حسنه البوصيري في مصباح الزجاجة (976)، والشيخ الألباني في الجامع الصغير (8678)، ومحققو المسند (669) وقال إسناده صحيح (. وجه الاستدلال: أن الحديث ظاهر في أن من استلحق ولداً من الزنى لم يلحق به، وإنما ينسب لأمه. قال ابن القيم في زاده: "إن ثبت هذا الحديث تعين القول بموجبه، والمصير إليه". ونوقش: بأن الحديث مداره على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهذه سلسلة اختلف المحدثون فيها كثيراً، وهو وإن كان الأرجح تحسين حديثه إن كان الراوي عنه ثقة إلا أن تفرده بمثل هذا الحديث الذي يعد أصلاً في بابه يدعو للتوقف في قبول روايته.
([6]) الحديث خارج عن محل النزاع، فالحديث في سياق الفصل في نزاع وخصومة بين طرفين مع وجود فراش يتنازع حوله.
([7]) يُنظر: بداية المجتهد لابن رشد، ج3، ص70. المغنى لابن قدامة، ج9، ص346. التمهيد لابن عبدالبر، ج13، ص115. وبحوث وفتاوى إسلامية للشيخ جاد الحق، ج2، ص217، موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي، للدكتور محمد نعيم ساعي، ج2، ص683. البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية للدكتور سعد الهلالي، ص276.
([8]) المغنى ج9، ص122.
([9]) القيافة هي تتبع الآثار والشبه للاستدلال على النسب أو معرفة الأشخاص، ويقوم بها القائف الذي يمتلك الفراسة والقدرة على التعرف على التشابهات الخلقي. فالقول المانعين: "لا يثبت النسب بالظنّ". لا يصحّ لأن القيافة أثبتت النسب وهي ظنّ، كذلك الاقتراع، والوطء بالشبهة أثبت النسب وهو ظنّ.
([10]) شرح النووي على مسلم:10/ص40.
([11]) المغني لابن قدامة:7/ص91، من أراد التوسع فلينظر: "المبسوط" للسرخسي (17/154)، "بدائع الصنائع" للكاساني (6/243)، "المدونة" (2/556)، "أسنى المطالب في شرح روض الطالب" (3/20)، " المغني" (6/228)، "المحلى" (10/142).
([12]) تفسير المنار ج4، ص282.
([13]) أخرجه البخاري (1148) واللفظ له، ومسلم (2550) مطولاً.
([14]) قيل في الرد عليه بأن المراد بالسؤال: السؤال عن المتسبب في الوجود، لا عن الأب الشرعي، ثم إن هذا شرع من قبلنا.
([15]) ومن الأدلة عند القائلين بجواز إثبات ولد الزنا إن استلحقه الأب، حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يُليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام. (موطأ مالك 2889)، البيهقي في الكبرى (21263). وجه الدلالة: أن الخليفة الراشد رضي الله عنه كان يلحق ولد الزنى بمن ادعاه وإن كانوا لزنية. وقد نوقش: بأن هذا خاص بأهل الجاهلية، فلا يلحق بهم غيرهم ممن ولد بعد أن أحكم الله شريعته، وحرم الزنى تحريماً قاطعاً. كما استندوا إلى القياس، فيقاس الأب من الزنى على الأم الزانية، فإن الولد ناتج من زناهما معاً، فإذا كان الولد يلحق بأمه وينسب إليها وترثه ويرثها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه، فيأخذ الأب الحكم نفسه؛ لأنه أحد الزانيين. وما جاء في ملاعنة هلال بن أمية وفيه: "إن جاءت به على صفة كذا وكذا فهو للذي رميت به، أو على صفة كذا وكذا فهو لزوجها، وفي رواية فهو لهلال بن أمية، فجاءت به على الوصف المكروه، فقال رسول الله ﷺ: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". (البخاري، 5003) وجه الدلالة: قوله: "فهو للذي رميت به" دل على أنها إن جاءت به على الوصف المكروه فهو ابن للزاني؛ لأنه خلق من مائه، فدلّ على أن الرجل إذا استلحق ولده من الزنا وليست أمه فراشاً لغيره فإنه يلحق به، لأنه خلق من مائه فهو له.
روابط المقال
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.