حرية الاعتقاد بين آيات الحرية وآيات القتال في القرآن الكريم.. الجزء الثاني
يُحمّل الصعيدي الجامدين من علماء الدين المسؤولية عن تأخر المسلمين في العلوم والمعارف
بدأ الشيخ عبد المتعال الصعيدي مناظرته الفكرية حول آيات حرية الاعتقاد وآيات القتال بالدفاع عن نفسه بعدَ أن وضعه الشيخ منون في دائرة الاتهام والتشكيك، فقدّم الصعيدي نفسه بأنّه عالم أزهري خبِر التراث، وتفوق في دراسة علوم الأزهر، فهو ليس أقلّ من الشيخ عيسى منون في الإلمام بالتراث والعلوم الشرعية، التحق الصعيدي بالأزهر، وهو في الثالثة عشرة من العمر بعد أن أتمّ حفظ القرآن الكريم وتجويده، وبعد أن حصل على شهادة المدرسة الأولية، وقد نجح في اختصار مرحلة التعليم الأولي بالأزهر من أربع سنوات إلى سنتين لتفوقه، وكما كان أصغر الأزهريين الحاصلين على شهادة العالمية والمجتازين للقسم العالي (ما يعادل المرحلة الجامعية) حافظ الصعيدي على تفوقه، فكان في المركز الأول أغلب سنوات الدراسة، وإذا تأخّر عنه كان في المركز الثالث، فيقول: “ما دمتُ قد اخترت أن أكون ازهريا فلأكن أزهريا بأكمل معاني كلمة أزهري، ومادام الأزهريون يقولون- من حفظ المتون حاز الفنون- فلأحفظ في كل فن متنا أحوز به، وقد حفظت متن الألفية في النحو، ومتن التحرير في الفقه، ومتن التهذيب في فن الكلام، ومتن المختصر لابن الحجب في فن أصول الفقه، إلى غيرها من المتون… وكي أكون أزهريا بحَّاثا لا يكفيه مجرد فهم الكتب الأزهرية؛ كتبت كل ما يدور من بحث بيني وبين شيوخي في الدرس على هوامش كتبي الأزهرية، فكانت في الغالب بحوثا على هوامش هذه الكتب”.
ألّف الصعيدي وهو ما زال طالبا بالصف الأول الثانوي كتابا في العقيدة (علم الكلام) شرح فيه متن العقائد النسفية، وعلّق فيه على كل الشروح والحواشي والتقارير التي سبقته إلى هذا المتن، وقد اعترف بقيمة كتاب الصعيدي بعد نشره أكثرُ طلاب شهادة العالمية الأزهرية، كما اعترفوا بقيمة ما كتبه وهو ما يزال طالبا حول تفسير الفخر الرازي على هامش تفسير النسفي، واختصاره لشرح مسلم الثبوت على هامش كتاب المنتهي لابن الحاجب في أصول الفقه..
ويُفسّر الصعيدي سرّ اختلافه عن محيطه الأزهري بأنّ مطالعاته الصحف والكتب الأدبية والعلمية التي تُخالف أساليب الكتب الأزهرية السببُ في انفتاحه الفكري، فكان على خلاف الأزهريين في ذلك الوقت محبا للأدب، قرأ عشرات القصص في طفولته بالقرية، ولا تفوته قراءة أخبار الجرائد، ومقالات كبار الكتّاب، فيقول: “ربما كنت أنا والشيخ محمد عناني الوحيدين اللذين نقرأ الجرائد بين طلاب المعهد الأزهري في مدينة طنطا.. كانت مطالعتي الأزهرية كفيلة بأن تجعل مني أزهريا رجعيا جامدا بل أشدّ جمودا من الأزهريين لولا مواظبتي على مطالعة الكتب الثقافية، حتى لا تتمكن الكتب الأزهرية من الأخذ بخناقي، ولا تصل إلى فرض جمودها على نفسي”.
جمع الصعيدي بين العلوم الأزهرية بمتونها القديمة ومصادر المعرفة الحديثة، ووثق في نظم التعليم الحديث، تلك النظم التي لم تحظ بثقة الشيوخ الأزهريين فيقول: “كان الشيخ عيسى ممن لا يثقون إلا في المتون بعبارتها المعقدة وما كتب حولها من حواشي وشروح وتقارير قديمة ويسمونها “كتبا مخدومة”. فرفض هو وغيره النظام الحديث للتعليم في قرارة أنفسهم؛ لذا لم يُقدّم الأزهر جيلا جديدا قادرا على التفكير والبحث بما يلائم بين الدين والعلم والعالم، فلم يتخلص الأزهر من آثار الجمود التي كان يرجو الإمام محمد عبده أن يتخلص منها؛ لذا عقم الأزهر عن أن يُخرّج آلافا من أمثال الشيخ محمد عبده، وخرّج آلافا من أمثال الشيخ عيسى المنان من أنصار الجمود الفكري… الشيخ محمد عبده رحمه الله فلتة في الأزهر القديم، الذي كان لا يعرف إلا العلوم الأزهرية القديمة، وقد جاء الأزهر الحديث فدرس العلوم الحديثة مع علومه القديمة، ولكنه عجز إلى يومنا عن فلتة واحدة من أمثال محمد عبده”.
كتاب الشيخ الصعيدي تأكيد واضح أنه تلميذ وفيّ لمدرسة الشيخ محمد عبده في التجديد والإصلاح، فسار فيه على خطى الأستاذ الإمام محمد عبده الذي رأى أن “أنفس المصريين أُشربت الانقياد إلى الدين حتى صار طبعا فيها، فكلّ من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرا غير صالح للتربة التي أودعه فيها، فلا ينبت، ويضيع تعبه، ويُخفق سعيه… الدين الإسلامي الحقيقي ليس عدو الألفة، ولا حرب على المحبة، ولا يحرم المسلمين من الانتفاع بعمل من يُشاركه في المصلحة وإن اختلف عنه في الدين… لكن عرض على الدين زوائد أدخلها عليه أعداؤه اللابسون ثياب أحبائه، فأفسدوا قلوب أهاليه ولا قلوب أقرب إلى الإصلاح من قلوب أهل مصر.. وأن إصلاح الفكر الديني مقدمة كل إصلاح سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي”. ([1])
مدرسة الإصلاح والتجديد الأزهرية ليست في خصومة مع الأزهر الشريف لكن مع الجامدين داخل الأزهر، فيقول: “لا يمكنني أن أمضى مع أولئك الجامدين من الأزهريين لأجني على الأزهر بما يجنون عليه بجمودهم، فإني أبرُّ بالأزهر من أن أجنى عليه بذلك، وإن أُوذيت في هذا منهم بما أُوذيت”.([2]) وتجديد الصعيدي ومن قبله شيخه محمد عبده لا يُمثّله اجتهاد الشيخ عبد الحميد بخيت، فرغم دفاع الصعيدي عن حقّ الشيخ بخيت في الاجتهاد إلا أنّه رأي أن اجتهاد الشيخ بخيت لا يمثّل مدرسة محمد عبده، فلم يترب في أحضان التجديد الصحيح كما تربى المجددون من أمثال الشيخ محمد عبده وغيره.
رأى الشيخ الصعيدي أن وصفه موقف الشيخ منون بالجمود “لا يخرج عن حدود النقد المشروع، إذ أنّ الجمود هو إيثار التقليد على الاجتهاد والتجديد، فالشيخ منون ومَن معه لا يرون شيئا في إيثارهم هذا التقليد لاجتهادات السابقين وعدم الخروج عليها، فليس وصفهم به إلا بيانا لحقيقة أمرهم، وليس في بيان الحقيقة شيء من الشتم، ولا خروج عن حد النقد.. الجمود هو العائق دون النهوض والتقدم في الدين والدنيا، ولست أول من نسبهم إلى الجمود فقد سبقني في ذلك كثيرون منهم الشيخ محمد عبده”. ([3])
ويُحمّل الصعيدي الجامدين من علماء الدين المسؤولية عن تأخر المسلمين في العلوم والمعارف، وضعف دينهم تبعا لضعفهم، ويضرب مثلا على ضعف التفكير الديني وما يترتب عليه من ضعف عام، وإساءة من المسلمين في تقديم الإسلام بموقف العلامة الألوسي صاحب التفسير الشهير “روح المعاني”، بأنه عندما سمع بأن الإنجليز يُحاولون صُنْع سفينة هوائية يُقال لها “طيارة” تطير في الهواء بقوة البخار، بعد أن نجحوا في صُنع السفن التي تسير بهذه القوة في البحار، قال بأنّ ما يُحاوله الإنجليز غير ممكن؛ لأنّ هذا يُنافي معجزة سليمان عليه السلام التي جاءت في الآية 81 من سورة الأنبياء “ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها”. فوقع في خطأ جعْل تفسيره للآية مطابقا لمراد الله، بينما التفسير محاولة للفهم، وقد وقع بهذا الفهم في خطأ كبير عندما توهّم أن هناك تعارض بين الدين والعلم، “كان الأولى بالألوسي أن يأخذ بقول الأشاعرة وهو منهم بأنه إذا تعارض دليل العقل ودليل النقل وجب تأويل دليل النقل بما يُوافق دليل العقل، فلا نحمل تسخير الريح لسليمان عليه السلام على ما نُقل من البساط الذي كان يطير به فيه، لأن البساط على أنه كان يطير بسليمان عليه السلام بقدرة الله من غير استعانة عليه بسبب من الأسباب أما السفينة الهوائية فإنها تطير بأسباب من صنع الإنسان فلا يكون فيها شيء من الإعجاز كما في تسخير الريح بقدرة الله تعالى لبساط سليمان عليه السلام”.
فمن منظور الصعيدي موقف العلامة الألوسي السابق به من ضعف التفكير والإساءة للإسلام ما يُشبه مقالات الشيخ عيسى منون بمجلة الأزهر التي يُؤكد فيها على أن آيات الأمر بالقتال أزالت حكم آيات حماية حرية الاعتقاد، فيراها الصعيدي هدمٌ لجهود الإصلاح والتجديد التي قام بها الإمام محمد عبده، وإساءةٌ وتشويه لصورة الإسلام، فيقول الصعيدي: “الأستاذ الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الأزهر مسؤول عن موقف الجمود في مسألة المرتد مع الشيخ عيسى منون ومع الأستاذ محب الدين الخطيب، ويتحمل معهما مسؤولية كبيرة عن تشويه مجلة الأزهر لسمعة الإسلام، وقد يكون لهما عذرهما في هذا الموقف الجامد؛ لأنهما لم يجمعا إلى ثقافتهما القديمة ثقافة جديدة، أما الأستاذ الشيخ عبد الرحمن تاج فإنه أضاف ثقافة جديدة إلى ثقافته القديمة، وتخرّج من جامعة السربون الفرنسية بعد تخرجه من الجامعة الأزهرية، وعرف في جامعة السربون كيف تبلغ حرية الرأي فيها أقصى حدودها؛ ليسير العلم في ظلها إلى الأمام.. لكن الحقيقة أنه يميل إلى الجمود في مسائل الدين مثلهما، وقد كان لميله إلى الجمود من الأثر في الأزهر ما أحزن كلّ غيور على الإسلام، وما لا يعلم أثره في مستقبل الأزهر إلا الله تعالى.
ولا شك أن شيخ الأزهر يؤخرنا في هذا نحو سبعين عاماً، ويُضيع تعب الشيخ محمد عبده في إبطال ما نسب زوراً إلى الإسلام، من أنه لم ينتشر بين الناس إلا بالسيف، وأنّ المسلمين مطالبون برفع السيف في وجوه العالم ليكرهوهم على الإسلام..
كيف يصحّ مع هذا ما نقوم به الآن من تأييد دعوة السلام! والانضمام إلى الدول التي تدعو إلى حل المشاكل السياسية بين الأمم بطريق السلم! ولعل شيخ الأزهر يظنّ أنّ ما تلصقه مجلة الأزهر بالإسلام في ذلك (من أنه يقوم على الإكراه) لا يعرفه إلا أهل الأزهر، وأنه لا بأس مع هذا أن نظهر لتلك الدول خلافه لأنها لا تعلمه”.([4])
لم يكن نقد الشيخ الصعيدي لمجلة الأزهر وشيخ الأزهر، والشيخ منون عضو لجنة كبار العلماء بالأزهر، ليمرّ دون محاكمة، فكاد أن يُوقع شيخ الأزهر عقوبة على الشيخ الصعيدي إلا أنّ نشوب حرب العدوان الثلاثي على مصر 1956 وانشغال الجميع بها، كانت السبب في عدم تقديم الشيخ الصعيدي للمحاكمة الرابعة في مسيرته الفكرية.
فقد تعرّض الشيخ عبد المتعال الصعيدي لعدة أزمات داخل الأزهر بسبب نتاجه الفكري، أبرزها ثلاث أزمات: الأولى بعد أن نشر كتابه نقد نظام التعليم الحديث في الأزهر” عام ١٩٢٤، منتقداً نظام العالمية الجديد (الإجازة العالية) لما فيه من تكرار لسلبيات النظام القديم من إهمال التخصص في العلوم، واقتصار كتبه على مُتون غامضة معقّدة تدور حولها الحواشي والشروح، واعتماده على طريقة تقليدية تلقينية في التدريس، لا تعنى بتربية ملكة الفهم والنقد، وتفتقد التدرّج، فتأخذ المبتدئين بما تأخذ به المنتهين، داعياً إلى تعليم اللغات، وإرسال بعثات إلى أوروبا، وإنشاء نادٍ ومجلةٍ للأزهر، وإنشاء مجمع علمي ولجنة تأليف، ومطبعة، فقامت الدنيا، ولم تقعد وأُحيل للتحقيق الذي أوصى بعزله من المعاهد الدينية إلا أنّ العقوبة خُفّفت إلى خصم خمسة عشر يوماً من راتبه. والأزمة الثانية: كانت في سنة ١٩٣٧ عندما نَشَر عدة مقالات في جريدة السياسة الأسبوعية يدعو فيها إلى تطوير فقه الحدود، قائلا بأنّ حديّ الزنا والسرقة للإباحة لا للوجوب، فاتّهم بالدعوة إلى هدم الحدود، وشُكّلت لجنة للتحقيق معه انتهت إلى صدور قرار الشيخ المراغي بحرمان الشيخ عبد المتعال الصعيدي من الترقية لمدة خمس سنوات، ونقله من التدريس الجامعي بالقاهرة إلى التدريس قبل الجامعي (الثانوي) بمدينة طنطا. وفي ٢٤ مارس سنة ١٩٥١م كانت محنته الثالثة عندما رفض المجلس الأعلى للأزهر ترقيته المُستحقة إلى درجة أستاذ كرسي في كلية اللغة العربية بالقاهرة.
المراجع:
([1]) الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، ج3، ص113.
([2]) الحرية الدينية في الإسلام، ص105.
([3]) الحرية الدينية، ص64
([4]) الشيخ عبد المتعال الصعيدي، الحرية الدينية في الإسلام، دار الكتاب اللبناني – دار الكتاب المصري، القاهرة، 2012، ص 189،188
روابط المقال
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.