السُنة والسؤال الصعب: شيخ الأزهر محمود شلتوت في مواجهة السلفية الفكرية المعاصرة..المقال الثالث
هل الأحاديث جميعها وحي من الله إلى رسوله، فهي شريعة من الله، لها صفة الإلزام إلى يوم الدين
يُكمل شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت (1893 – 1963) طرْحَ الأسئلة الصعبة حول طبيعة السُنة، والبحث عن إجابات، فلا يكتفي الشيخ محمود شلتوت بالإجابات الجاهزة التي عادة ما يُرددها الوعّاظ، ويُعيد النظر فيها الباحثون، ومن تلك الأسئلة: هل الأحاديث جميعها وحي من الله إلى رسوله، فهي شريعة من الله، لها صفة الإلزام إلى يوم الدين أم أنّها اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم في فَهْم الوحي والواقع أم أنها بين هذا وذاك؟ هل ما نُقل من أحاديث أَعمل فيه الرسول عقله في بِناء رأي/اجتهاد فاحصًا أدلة المتخاصمين، مُستعينًا برأي أصحابه مُعتمدًا على تجارِب الأمم المعاصرة له؟ هل يُمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم، ممنوعًا من الاجتهاد؟ هل يُعقل أنْ يُمنح الأنبياءُ حقَّ الاجتهاد في بدايات التاريخ الإنساني، ويُحرم منه النبي صلى الله عليه وسلم، في مرحلة مُتقدمة وأكثر نُضجًا في التاريخ الإنساني؟ هل بعض الأحكام الصادرة عن الرسول –صلى الله عليه وسلم – ليس لها صفة التشريع، فهي تصرفٌ سياسي دنيوي (زمني) بمقتضى ولاية الأمر يجوز مخالفته اليوم؟ هل الأحكام الصادرة عن الرسول في فضِّ المنازعات بين المتخاصمين لها صفة التشريع العام أمْ أنّ بعضها اجتهاد بالرأي مرتبط بسياقات زمنية ليس له صفة التشريع العام؟ هل ما رُوي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يتعلق بملابسه وطعامه يدخل في باب التشريع؟
انقسم المسلمون عند الإجابة عن هذه الأسئلة بين مَن يرى أنّ كلّ ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، من أقوال وأفعال وتصرفات داخل في الوحي ومصدر له، وأصحاب هذا الرأي يُطلق عليهم اليوم التيارات السلفية، التي أطلق عليها المدرسة الحرفية/الحرفيين، وبين مَن يرى أنّ بعض سُنة الأحاديث وحي، وبعضها اجتهاد وتفكير من الرسول الكريم، وبعضها عادات وأعراف تأثّر فيها بزمنه صلى الله عليه وسلم، كما أنّ الأحاديث لا تستقلّ بنفسها عن القرآن الكريم في إثبات قضية من قضايا العقيدة، وأصحاب هذا الرأي يُمكنُ أن نُطلقَ عليهم في الفكر الديني المعاصر مدرسة الإصلاح والتجديد، وأحد أئمتها شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت.
فتتنوع الأحاديث النبوية من منظور الشيخ ومدرسته بين كونها اجتهادات بشرية للنبي صلى الله عليه وسلم في فَهْم آيات الوحي، وبين كونها بلاغًا عن الله عز وجل، فإذا كان المسلمون مأمورين بتدبر القرآن فإن محمدًا –صلى الله عليه وسلم – أول المتدبرين الساعين إلى تحقيق المعاني القرآنية، وقد نزل القرآن الكريم مُصوّبا اجتهادات الرسول – صلى الله عليه وسلم – في مواضع مثل: “عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ” [سورة التوبة، الآية ٤٣]، وقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ” [سورة التحريم، الآية ١]، وقوله تعالى: “مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” [سورة الأنفال، الآيات:٦٨،٦٧] وقوله تعالى: “عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى” [سورة عبس، الآيات٣:١]
وهذا ما تتجاهله المدرسة الحرفية، إذ ترى أحاديث النبي جميعها وحيًا واجبَ الاتباع، فدوره صلى الله عليه وسلم ينحصر عندهم في كونه رسولًا فقط، فصفة الرسالة عندهم همّشت صفة البشرية، وكأنّ الله عزّ وجل لم يصفه بكليهما في قوله تعالى “قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا”([1])، فأغفلوا تلك الآية وتمسكوا بظاهر قوله تعالى: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى”.([2])
وقد انتقد شيخ الأزهر محمود شلتوت موقفهم بقوله:
“ولو تفحَّصوا الآية الكريمة في سياقها، وكذلك لو تفحَّصوا سياق قوله تعالى “والله يَعْصِمُكَ من الناس”، لأدركوا أن عظمة نبي هذه الأمة لا تكمن في عصمته وارتفاعه عن أفق البشر – وما العظمة في هذا إذا كان الأمر محض اختيار وترتيب إلهيين لا تعليل لهما – بقدر ما تكمن في ارتفاعه هو بِجُهْدِهِ واختياره إلى آفاق المسؤولية الكونية دون أن يُفارق خصائص البشر”.([3])
الإشكالية في موقف المدرسة الحرفية المعرفي من سُنة الأخبار أنها بنَتْه على آية سورة النجم، مُتجاهلةً آية الإسراء “فجعلت كلّ ما أُثِرَ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – شريعة من الله رب العالمين، لها صفة الدّوام والبقاء إلى يوم الدين، والنّاس مخاطبون بها في كل زمان ومكان، لا يجوز لهم أن يحيدوا عنها قيد شعرة، ومن حاد عنها أو سوّغ لنفسه أن يتصرف فيها، فذلك خارج على شريعة الله، مخالف عن أمر الله، غير جدير بأن يكون من المؤمنين.
يقولون ذلك ويتشددون فيه، ولا يُفرقون بين أقواله وأفعاله وأحكامه، وأقضيته وسائر تصرفاته في العبادات، والمدنيات، والجنائيات، والطبّ، والسياسة، والحروب، والعادات، والزي واللباس، وآداب الطعام والشراب، والجلوس، والسير في الطريق، وما يكونُ من الأحوال الشخصية، والمسائل الجنسيّة، وغير ذلك، فكلّ هذا عندهم وحي من الله، بعضه ظاهر وبعضه باطن، وكلّه شرع محكم، ودين متبع لا يجوز الخروج عليه، ولا التصرف فيه.
وقد تجد قومًا منهم يستثنون من ذلك بعض الأشياء التي لا تتصل بالنواحي التشريعية، مثل رأيه صلى الله عليه وسلم في تأبير النخل، أو في اختيار مكان ينزلون فيه للحرب أو نحو ذلك، ولكنّهم حين يتحدثون عن هذا الاستثناء يحتاطون في الأمر تمام الاحتياط، فيضيقون دائرته ولا يتوسعون فيه”.([4])
ما لم تنتبهْ إليه المدرسة الحرفية والحالة السلفية كون النبي صلى الله عليه وسلم مُجتهدا برأيه، إذ لا يُعقل أن تأتي الشريعة الإسلامية “بالاجتهاد”، ويأمر الله عباده أولي الأبصار بأن يعتبروا، وينظروا، ويتدبروا كتابه الكريم، ثم لا يكون النبي أول المجتهدين والمتدبرين، فالقرآن الكريم أمره، صلى الله عليه وسلم، بأنّ يمضي على نهج الأنبياء “أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ”.([5]) وهم مجتهدون، فالاجتهاد سُنة الأنبياء والمرسلين من قبلُ، فحدّثنا القرآن عن اجتهاد نبي الله يحي إذ أتاهُ اللهُ الحُكْم صبيًا، واجتهاد داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذْ نفشت فيه غنم القوم، كما أثبت القرآن الكريم لجملة من الأنبياء أنّهم حكموا أي قضوا بين الناس في قوله تعالى: “أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ”([6])؛ “فلا يُعقل أن يُرسل الله رسولًا في وقت نبغت فيه الإنسانية، واشتدّ ساعد الفكر البشري، ثم يحرمه النظر والتفكير الذي أباحه لإخوانه الأنبياء في طفولة الدهر وشباب الزمان، وأباحه أيضًا لمتبعيه الذين يدْعوهم إلى دينِه، ويأْمرُهم بالعمل بشريعته.
كيف يُسوغُ لأحدٍ أن يقولَ بحرمان النبي، صلى الله عليه وسلم، من الاجتهاد، وهي مرتبة علمية من أسمى مراتب الفطنة البشرية والبصيرة الإنسانية؟ أيمنحها الله لذوي العقول وأرباب البصائر، ثم يحرمها على النبي صلى الله عليه وسلم؟
ويُنكر الشيخ محمود شلتوت على الحرفيين تصوّرهم أنّ ثمّة تعارضًا بين كونه رسولًا وبشرًا، فيقول:
“كأنّي بهؤلاء يرون رسالة الرسول أمرًا يتعارض مع بشريته. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسالته، وقبل رسالته بشرًا اكتملت فيه جميع معاني البشرية الفاضلة. ولم يشأ الله أن يرسلَه حتّى بلغ أربعين عاما لتنضج بشريته وتكْمُل رجولتُهُ، فلا تطغى عليها الرسالة ولا تسلبها خصائصها. وقد عُني القرآن الكريم بأن يُؤكّد هذا المعنى في كثير من آياته: “قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا”. ([7])
ومن زعم أن رسالة النبي قد غلبت على بشريته، وقضت على لوازمها السامية، فقد تلاقى في رأيه من قريب أو من بعيد مع الذين يقولون: أبعث الله بشرًا رسولًا! ([8])
إن النبي – صلى الله عليه وسلم – بشر وفي أسمى مراتب البشرية، وقد اكتسب بذلك شخصية الفقيه المجتهد كما مُنح شخصية الرسول المُبَلِّغ عن الله. وهو “أول الفقهاء” كما أنه “خاتم الأنبياء”. فلننظر إذن فيما ورد عنه صلى الله عليه وسلم على هذا الأساس الذي يجمع بين كونه رسولا وكونه فقيها.
اقتضت حكمة الله أن يسوس عبادَه، ويحقق مصالحهم بنوعين من التشريع: نوعٍ يتولاه بنفسه وينص فيه على ما يريد ويرسل به الوحي إلى نبيه. ونوع آخر يسكت عنه فلا ينص عليه غير نسيان ولا إهمال، ولكنه – رحمة بعباده – يَكِلْهُ إلى أصحاب الرأي والنظر لاختلاف المصلحة فيه باختلاف الظروف والأحوال. وقد قام محمد “النبي” بحق رسالته فبلغ النوع الأول كما أمره بتبليغه. وقام محمد “الفقيه الأول” بحق بشريته فرسم طريقًا للاجتهاد، وعُني بالتطبيق العملي عليها، وبأن يُعبِّدها لمن يجيء بعده من الخلفاء والقضاة والأئمة: اجتهد وقاس وحكم، وأفتى بالحاجة وتقدير المصلحة، وساس الأمة بما أراده الله، كما هو الشأن في المجتهدين والقضاة والمشرعين.
يرفض شيخ الأزهر محمود شلتوت موقف السلفية المعاصرة الذي جعل من الأحاديث جميعها تشريعًا إلهيًا، فجعل الشيخ ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ودُوّن في كتب الحديث من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، أقسامًا:
أحدها: ما سبيله سبيل الحاجة البشرية، مثل: الأكل والشرب والنوم والمشي والتزاور، والمصالحة بين شخصين بالطرق العرفية، والشفاعة، والمساومة في البيع والشراء.
ثانيها: ما سبيله سبيل التجارِب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، مثل الذي ورد في شؤون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره.
ثالثها: ما سبيله التدبير الإنساني أخذًا من الظروف الخاصة، مثل توزيع الجيوش في المواقع الحربية، وتنظيم الصفوف في الموقعة الواحدة، والكمون والكر والفر، واختبار أماكن النزول، وما إلى ذلك مما يعتمد على وحي الظروف والدربة الخاصة.
وكل ما نُقل من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعًا، يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشؤون البشرية التي ليس مسلكُ الرسول صلى الله عليه وسلم فيها تشريعًا ولا مصدر تشريع.
رابعها: ما كان سبيله التشريع، وهو على أقسام:
أولا: ما يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه التبليغ بصفة أنّه رسول، كأن يُبين مُجملًا في الكتاب، أو يُخصص عامًا، أو يُقيد مطلقًا، أو يُبيِّنَ شأنًا في العبادات، أو الحلال والحرام، أو العقائد والأخلاق، أو شأنًا متصلًا بشيء مما ذكر. وهذا النوع تشريع عام إلى يوم القيامة، فإن كان مَنْهيًا عنه اجتنبه كلّ إنسان بنفسه، لا يتوقف في ذلك على شيء سوى العلم به والوصول إليه.
ثانيًا: ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم بوصف الإمامة والرياسة العامة لجماعة المسلمين: مثل: بعث الجيوش للقتال، وصرف أموال بيت المال في جهاتها، وجمعها من محالها، وتولية القضاة والولاة، وقسمة الغنائم، وعقد المعاهدات، وغير ذلك مما هو شأن الإمامة والتدبير العام لمصلحة الجماعة.
وحكم هذا أنه ليس تشريعًا عامًا، فلا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن الإمام، وليس لأحد أن يفعل شيئا منه من تلقاء نفسه بحُجة أن النبي فعله أو طلبه.ثالثًا: ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم بوصف القضاء، فإنّه كما كان رسولًا يبلغ الأحكام عن ربه، ورئيسًا عامًا للمسلمين يُنظم شؤونهم ويدبر سياستهم، كان عليه الصلاة والسلام مع ذلك قاضيًا يفصل في الدعاوي بالبينة/الدليل، أو اليمين/القسم.
وحكم هذا كسابقه، ليس تشريعًا عامًا، حتى يجوز لأي إنسان أن يقدم عليه بِناء على قضائه به، وفصله فيه بحكم معين، بين من حكم بينهم…
هذا ومن المفيد جدًا معرفة الجهة التي صدر عنها التصرف، وكثيرًا ما تُخفى فيما يُنقل عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يُنظر فيه إلا من جهة أن الرسول فعله أو قاله أو أقره، ومن هنا نجد أن كثيرًا مما نُقل عنه صلى الله عليه وسلم صُوِّرَ على أنه شرعٌ أو دين، وسُنة أو مندوب، وهو لم يكنْ في الحقيقة صادرًا على وجه التشريع أصلًا. وقد كثر ذلك في الأفعال الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم بصفة البشرية، أو بصفة العادة والتجارب والشؤون التي تعتمد على محض التدبير الإنساني.
ونجد أيضًا أن ما صدر منه صلى الله عليه وسلم على وجه الإمامة أو القضاء، قد يُؤخذ على أنّه تشريع عام، ومن ذلك تضطرب الأحكام، وتختلط الجهات، فقد يشتبه على الناظر في الأحاديث معرفة الجهة التي صدر عنها الفعل النبوي هل صدر عن نبوته أم عن بشريته ومحض اجتهاده، فيقع خلاف بين العلماء في صفة التشريع، تبعًا لخلافهم في الجهة التي صدر عنها ذلك التشريع.
ومن أمثلة ذلك: الحديث الذي صحَّ سندًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: “من أحيا أرضًا ميتة فهي له”.([9]) فقد اختلف العلماء في هذا الحديث: هل صدر عنه بطريق التبليغ والفتوى فيكون حكمًا عامًا، لكل أحد أن يُحي أرضًا ليس لأحد حقٌّ فيها فتكون له، أذِن الإمام في ذلك أمْ لم يأذن، أو أنه صادرٌ عنه بسبب إمامته ورياسته، فلا يكون حُكْمًا عامًا، ولا يجوز لأحد إحياء الأرض المذكورة إلا بإذن الإمام؟ ذهب إلى الأول جمهور الفقهاء، وإلى الثاني أبو حنيفة…
ومثل ذلك ما صحّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لهند بنت عُتبة لما قالت له إن أبا سفيان رجل شحيح لا يُعطيني وولدي ما يكفيني، قال لها: “خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف”. ([10]) فقد اختلف العلماء في هذا: هل كان بطريق الفتوى والتبليغ فيجوز لكل من ظفر بحقه أن يأخذه بغير علم خصمه، أو كان بطريق القضاء، فلا يجوز لأحد أن يأخذ حقّه أو جنس حقّه، إذا تعذّر أخذه من غريمه، إلا بقضاء القاضي؟ وهذه هي المسألة المعروفة عند الفقهاء بمسألة “الظفر”، ولهم فيها أقوال وترجيحات…
٣ – صحّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قتل قتيلاً فله سلبه”([11])، والسلب هو ما على القتيل من ملابس وأدوات. واختلف العلماء فمنهم من يرى أنه تصرّف بالإمامة، فلا يستحق أحد سلب مقتوله، إلا أن يقول الإمام ذلك في الموقعة، ومنهم من يرى أنه تبليغ، فيستحق كلّ قاتل سلب قتيله، أعلن الإمام أم لا.
من هنا اعترف وأجمع كل الفقهاء على تقرير مبدأ التفرقة بين الجهتين النبوة والبشرية بوصفهما مصدرين لتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم، وأسوق شاهدين أحدهما قديم والثاني حديث على تفرقة الفقهاء بين الجهتين، بما يُؤكد ما ذهب إليه شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت من الإجماع على التفرقة بين مقامات/شخصيات النبي، فيُميّز الأصولي المالكي أحمد بن إدريس القرافي (ت٦٨٤ هـ – ١٣٠٦م) بين تصرفات الرسول –صلى الله عليه وسلم التي تنوعت واختلفت تبعًا لتنوع مقاماته صلى الله عليه وسلم بين الرسالة، والنبوة، والفُتيا والقضاء، فيقول: “وأما تصرفه – صلى الله عليه وسلم – بالحُكم فهو مغاير للرسالة والفُتيا؛ لأن الفتيا والرسالة تبليغ محض واتباع صِرف، أما الحُكْم إنشاء وإلزام من قبله – صلى الله عليه وسلم – بحسب ما يَسنح من الأسباب والحِجاج، وقوّة اللحن بها… فهو – صلى الله عليه وسلم – في هذا المقام مُنشئ، وفي الفتيا والرسالة مُتبع مُبلغٌ”.([12])
وهذا ما جعل أحاديثه صلى الله عليه وسلم لها صفتان على حدّ قول الدكتور محمد عبد الله دراز: “أما الأحاديث النبوية فإنها بحسب ما حوته من المعاني تنقسم إلى قسمين “قسم توفيقي” استنبطه النبي بفهمه من كلام الله أو بتأمله في حقائق الكون، وهذا القسم ليس كلام الله قطعًا. و”قسم توقيفي” تلقى الرسول مضمونه من الوحي فبيَّنه للناس بكلامه. وهذا القسم وإن كان ما فيه من العلوم منسوبًا إلى مُعلمه وملهمه سبحانه، لكنه – لأنه كلامٌ – حريٌّ بأن يُنسب إلى الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لأن الكلام إنما إلى واضعه وقائله الذي ألّفه على نحو خاص، ولو كان ما فيه من المعنى قد تواردت عليه الخواطر، وتلقاه الآخر عن الأول”. ([13])
فكان صلى الله عليه وسلم يسارع أحيانًا إلى الجواب عما يسأل عنه من غير أن يتربص لوحي، فمن الثابت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد في الأحكام الشرعية، فأفتى المرأة التي سألته عن حجّها لأبيها بقوله: “أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أما كان يُجزئ عنه؟” ([14]) أي أما كان يُقبل منك؟ وأفتى السائلَ عن قُبلة الصائم بقوله: “أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟”([15]) وأفتى السائلَ عمّن لامس امرأته أَيُكْتبُ له أجرٌ وهو يقضي شهوته؟ فقال له: “أرأيتَ لو وضعها في حرامٍ أيكون عليه وِزرٌ؟”([16]) وكان، أحيانًا، ينتظر أمر الله، ويقول لم ينزل عليّ فيه شيء كما في حادثة المرأة التي جادلته في زوجها، وكما في حادثة الرجل الذي قذف زوجته، فقد نزل القرآن بتشريع كفّارة الظهار وشهادات اللعان.
ولعلّ الأمر فيما ينزل فيه الوحي وفيما لا ينزل، وفيما يجتهد فيه الرسول وفيما لا يجتهد راجع إلى الفصل بين الشؤون التي تتعلق بأساس الدعوة أو بالجانب الخلقي أو بالعبادة، وبين ما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأزمنة والأشخاص، وقد حدّد الفقهاء المجتهدون بذلك مواضع الاجتهاد ومواضع النص..
كذلك اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم، في الحروب وفي الأمور الدنيوية، ونزل على اجتهاد غيره فاستثنى “الأذخر” في تحريم شجر مكة حين استثناه العباس. ودعا للمُقصّرين كما دعا للمُحلّقين عندما طلب منه أصحابه، وتراجع فأذن في غسْل القُدُور التي طبخت فيها لحوم الحُمُرِ الأهلية بعد أن أمر بكسرها، وعَدُلَ عن المكان الذي اختاره لجيشه نزولًا على رأي أحد أصحابه. ([17])
كما استند – صلى الله عليه وسلم – إلى آراء ذوي الخبرة والنظر، فاحتكم –صلى الله عليه وسلم – إلى أهل المشورة من أصحابه في استصدار بعض الأحكام في الحروب مثل حكم الفداء في أسرى بدر الذي كان بمشورة من أبي بكر رضي الله عنه، ومثل تحكيمه سعد بن معاذ – رضي الله عنه – في يهود بني قُرَيْظة.
فاحتفظت شخصية محمد – صلى الله عليه وسلم – في وجدان الصحابة وعقلهم بتلك الازدواجية “بشرًا رسولًا”، فلم تحوّل النبوةُ ممارسات السياسة الدنيويَّة إلى ممارسات دينية، ولم تُنزل بشريتُه بالديني في العقيدة أو العبادة إلى الدنيوي.
ومما يدلّ على استقرارهم جميعًا على هذا الفَهْم لشخصيات النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لم يُنقل إلينا استهجانٌ أو ملامة من أحد الصحابة للآخر لمراجعة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في رأيه، مثل اختيار الحباب بن المُنْذِر مكان معركة بدر على خلاف ما اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم، ومثل تنازل الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن رأيه في غزوة أُحُد، وأخذه برأي سَلْمَان في حفر الخندق، وتراجعه عن مصالحة غَطَفَان برأي سعد الذي سأله سؤال الحَبَّابِ من قبل: “يا رسول الله شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟” وهنا يظهر عمق فَهْم الصحابة للدور المزدوج له –صلى الله عليه وسلم – وإقراره لهذا الفَهْم.
فميّز المسلمون زمن النبي الكريم بين منطقتين: منطقة تكليف محسومة بنصوص قطعية الثبوت والدلالة وحيًا؛ لتنظم العقيدة والعبادة ومنطقة يحكمها الرأي والعقل والتجرِبة وعندما اختلط الأمر على الصحابة في حادث تأبير النخل، فظنوا أن الرأي النبوي وحي وليس فقط رأيًا يدعو إلى التجرِيب ردّهم النبي –صلى الله عليه وسلم – إلى أصل عام يُطلق العقل الإنساني للبحث في أمور الدنيا، بقوله: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، ذاك الأصل الذي يتركه الحرفيون.
أدرك الأوائل من الصحابة الكرام – رضي الله عنهم – في علاقتهم بالنبي أنّ له مقامات/شخصيات متعددة، وعلى النقيض جعل الحرفيون أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – في كلّيتها وحي، وقدّمت جماعات التمايز بالإسلام عن المسلمين تصوراتهم عن الدولة بوصفها معادلًا لدولة النبي والراشدين، فأكسبوا تصوراتهم قداسة رغم أنّ كلا التجربتين لا تعدوان عن كونهما أفكارا وآراء واجتهادات، فمن الأخطاء الشائعة أن يُنظر إلى كلّ فكر عن الإسلام بوصفه أنّه هو الإسلامُ بالألف واللام التي للعهد الذهني، وحقيقة الأمر أنه فَهْم للوحي؛ لذا تتعدد الأفهام والخطابات، ولا نقول تعدد الإسلام؛ وإنما تعددت المقاربات الفكرية الدينية، فلا يملك أحد فَهْمًا مُطابقًا لمراد الله، وحديثًا حصريًا باسم الإسلام.
كيف أغفل العقل الحرفي اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي نزلت فيه آيات القرآن مصوّبة له، فعاتبه الله على الإذن للمنافقين، وعلى أخذ الفداء من أسرى بدر، وعلى إعراضه عن الأعمى، كما رجع هو صلى الله عليه وسلم عن اجتهاده لاجتهاد آخر فور أن أعاد النظر في المسألة، فقال: “لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سُقْتُ الهدْيَ”. ([18]) أو عندما نظر إلى تجارِب غير المسلمين من الأمم المعاصرة له. ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم “لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ، ([19]) حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ”. ([20])
وكان يحكم/يقضي صلى الله عليه وسلم في الحوادث الجزئية التي تُرفع إليه، ويعتمد في حكمه على البينة والحجة، فحكم (قضى) النبي صلى الله عليه وسلم حسب ما عُرض عليه من حُجج وأدلة، مُنطلقًا في فصله بين المتخاصمين من طبيعة بشرية حكمتْ على الظاهر، كما أوضح – صلى الله عليه وسلم – مُحذِّرا من يختصم إليه من تزييف الحُجج الذي يبنى عليها – صلى الله عليه وسلم – اجتهاده في الحُكْم، فيقول – صلى الله عليه وسلم – “إنَّما أَنا بَشرٌ فإنَّهُ يَأتيني الخَصْمُ ولعلَّ بعضَكُم أن يَكونَ أبلغَ مِن بَعضٍ فأقضيَ لَهُ بذلِكَ وأحسَبُ أنَّهُ صادقٌ فَمن قَضيتُ لَهُ بحقِّ مُسلِمٍ فإنَّما هيَ قطعةٌ منَ النَّارِ”.([21])
وقد استدرك القرآن الكريم على حكم النبي –صلى الله عليه وسلم – في قضية سرقة الدرع التي اتُّهم فيها يهودي، وكان السارق رجلًا مسلمًا من بني أبيرق بن ظفر بن الحارث إحدى قبائل الأنصار، واختلفت الروايات في اسمه ففي رواية: “طعمة بن أُبيرق”، وفي رواية أخرى: “بشير بن أُبيرق”([22])، وكان هذا الرجل قد سرق درعًا من جارٍ له مسلم يقال له: “قتادة بن النعمان”، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود يُقال له: “زيد بن السمين”، فالتُمِسَتِ الدرع عند “طعمة” فحلف بالله ما أخذها، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق في داخل داره. فلما حلف تركوه، واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي، فوجدوا الدرع عنده، فقال اليهودي: دفعها إليَّ طعمة بن أُبيرق!! فجاء بنو ظفر – وهم قوم (عائلة) طعمة – إلى الرسول –صلى الله عليه وسلم – ليدافع ويجادل عن صاحبهم فَهَمَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بذلك أن يعاقب اليهودي، فنزل قوله تعالى:” إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا – إلى قوله تعالى – وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا”([23])
وكان يكِلُ الاجتهاد إلى أمرائه وقُضَاته دون أن يُقيدهم بالعودة إليه، ومن ذلك رأي معاذ بن جبل عندما استبدل زكاة اليمن من الحبوب والثمار (الزروع) بقيمتها ثيابًا، فقال لهم: “ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة”.([24])
فيُمكننا القول إن دائرة مصادر التشريع التي استند إليها النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه (قضاءه) تنوعت بين وحي الله الكاشف ببعض التشريعات تارة، واجتهاده – صلى الله عليه وسلم – في فَهْم آيات الوحي تارة، واستناده – صلى الله عليه وسلم – إلى الرأي والعقل والواقع في نظره إلى أدلة وبراهين المتخاصمين تارة، والاستفادة بآراء ذوي الخبرة والمشورة.
يتضح مما تقدم أن الاحتكام إلى الوحي لا يتنافى مع الاحتكام إلى العقل، والاستفادة من تجارِب غير المسلمين في التشريع، ومن العادات وتجارِب ذوي الخبرة، فكلاهما يدخل في دائرة الرأي وإعمال العقل في المسكوت عنه الذي أشار إليه حوار النبي – صلى الله عليه وسلم – مع معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قبل إيفاده لبيان أحكام الإسلام لأهل اليمن والقضاء بينهم، فعن معاذ – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: “فإن لم يكن في كتاب الله؟” قال: فبسُنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم، قال: “فإن لم يكن في سُنة رسول الله؟” قال: أجتهد وإني لا آلو. قال: فضرب رسول الله صدري ثم قال: “الحمد لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ الله”. ([25])
ويُروى أن عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – في خلافته لقى رجلًا فقال: ما صنعت؟ (يسأله عن قضية له) فقال الرجل: قضى علىُّ وزيدٌ بكذا.
فقال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا.
قال: فما يمنعك والأمر إليك؟
قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكنّى أردك إلى رأيي، والرأي مشترك. فلم ينقض ما قال علىّ وزيد، وهو يرى خلاف ما ذهبا إليه. ([26])
فها هم المسلمون في طبقتهم الأولى من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – يدركون أن قولهم لا يعدو كونه رأيًا واجتهادًا بشريًا احتماليًا مُتعددًا يُصيب ويُخطئ، فالمعرفة الإنسانية – في أرقى مستوياتها – نسبية وظنية وجزئية وكَسْبِيَّةٌ سبقها جَهْلٌ، أما اليقيني والكلي والشامل والمطلق والمحيط هو علم الله سبحانه وتعالى.
نستطيع بعد هذا أن نستخلص للنبي – صلى الله عليه وسلم – شخصيات متعددة: شخصية الرسول، وشخصية الإمام العام، وشخصية المفتي، وشخصية القاضي.
فهو بشخصية الرسول مُبلّغ عن الله لا يخرج فيما أُوحيَ إليه عن حدود ما أُمر به أو أُنهى عنه، والمسلمون مُكلّفون به كما تلقوه عنه في عمومه أو خصوصه، وفي دوامه أو توقيته؛ وهذا يغلب فيما هو من العقائد وأصول الأخلاق والعبادات، ولا يُعَدُّ النبي – صلى الله عليه وسلم – بذلك فقيهًا، وإنما هو أعلى شأنا وأجل مكانة من الفقيه.
وهو بشخصية الإمام/رئيس المسلمين، وزعيم قوميتهم يعمل على تركيز أمته، وطبعها بطابع تتميز به عن سائر الأمم، ويُلْحقُ بذلك كلّ ما ورد عنه مما يتعلق باللباس والأزياء. وما إلى ذلك مما لا يمسّ ناحية العقيدة، ولا يُعقل فيه معنى التعبد؛ وإنما هو في الشؤون الاجتماعية البحتة التي تعرفها الأمم في كل العصور والأجيال، وينزع إليها الزعماء والقادة في القديم والحديث، والأمر فيها يعود إلى ما تراه الأمم، وتُقدّر فيه قوميتها ومصلحتها وسيادتها.
وهو بشخصية المفتي إمّا مُجيب بلسان الوحي، فليس له اجتهادٌ في ذلك إلا في تطبيق النّص على جزئيات الحوادث، وإما فقيه يجتهد ويُقدِّرُ ويلاحظ أحوال السائلين فيجيبهم بما يراه كما يفعل سائر المجتهدين وبالطرق التي يألفها الناس في استنباط المجهولات، وقد عُلِمَ له من هذا النوع كثيرٌ.
وهو بشخصية القاضي حَكَمٌ بين المتخاصمين يسمع دعواهم، ويتعرّف الحقّ بما يسمع من شهادة الشهود وما يرى من وجوه التثبت، ويُقدّر ظروف القضية وأحوال المتقاضين كما يفعل سائر القضاة، وأحكامه في هذه الدائرة لا عموم لها في الأشخاص ولا في الأحوال كما يقول علماء الأصول، فليس لها صفة التشريع العام.([27])
هذه شخصيات أربع صارت إليه صلى الله عليه وسلم في المدينة، وإننا لنلمح هذه الشخصيات في جميع ما أُثِرَ عنه، أحيانًا تظهر الشخصية التي صدر عنها صلى الله عليه وسلم فلا يختلف فيها أحد، وأحيانا تخفي شخصيته خفاءً تتفاوت الأنظار فيه، وتختلف الآراء في تقديره.
من هنا كانت دعوة شيخ الأزهر محمود شلتوت إلى إعادة تبويب السُنة وتقسيمها من جديد “فلو أننا تتبعنا المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطيناه نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادرًا عن كل شخصية من هذه الشخصيات ولم نخلط بعضها ببعض، ورتّبنا على كلّ منها آثاره، وأعطيناه حقّه، لسهُل على المسلمين أن يَتَفاهموا فيما شجَر بينهم من خلاف، ولتصافح المتخالفون، ولما رمى أحد سواه بالكفر أو الزندقة، ولعلم الجميع ما هو شرع دائم عام لا سبيل إلى مخالفته أو الخروج عنه، وما هو تشريع”. ([28])
يُتبع
المراجع
([1]) سورة الإسراء، الآية93.
([2]) سورة النجم، الآية٤،٣.
([3]) مجلة الرسالة، ص١٥٣:١٥٠، عدد ٤٤٩، ٩فبراير ١٩٤٢م.
([4]) السابق، ص152.
([5]) سورة الانعام، الآية٩٠.
([6]) سورة الأنعام، الآية٨٩.
([7]) سورة النجم، الآية٤،٣.
([8]) “وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا” [سورة الإسراء، الآية ٩٤].
([9]) أخرجه أبو داود في سننه، ٣٠٧٣، برواية سعيد بن زيد رضي الله عنها.
([10]) أخرجه البخاري في صحيحه،٥٣٦٤ برواية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
([11]) أخرجه أبو داود في سننه، ٢٧١٧ برواية أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.
([12]) أحمد بن إدريس القرَافي (شهاب الدين أبي العباس) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، تحقيق عبد الفتاح أبو غُدّة، ص١٠١،١٠٠، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الأولى ١٣٨٧هـ – ١٩٦٧م.
([13]) الدكتور محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن الكريم، ص١٥، المكتبة التوقيفية، القاهرة.
([14]) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، ج٢، ص١٣٢ برواية عبد الله بن عباس. وأخرجه ابن حبّان في صحيحه برواية عبد الله بن عمر.
([15]) أخرجه النسائي في السنن الكبرى ٣٠٣٦، وابن حبّان في صحيحه٤٣٧٨، وأحمد في مسنده بتحقيق أحمد شاكر، ج١، ص٨٤ برواية عمر بن الخطّاب رضي الله عنه.
([16]) أخرجه مسلم في صحيحه، ١٠٠٦، برواية أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
([17]) السابق، ص152.
([18]) أخرجه البخاري في صحيحه ٧٢٢٩.
([19]) قال النووي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْغِيلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيث وَهِيَ الْغَيْل، فَقَالَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ وَالْأَصْمَعِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة: أَنْ يُجَامِع اِمْرَأَته وَهِيَ مُرْضِع. وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت: هُوَ أَنْ تُرْضِع الْمَرْأَة وَهِيَ حَامِل.
([20]) أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٤٢.
([21]) صحيح مسلم، الحديث رقم ١٧١٣، وصحيح البخاري، الحديث رقم٢٤٥٨ بلفظ قريب من هذا.
([22]) المعجم الأوسط للطبراني، الحديث رقم ٥٠٧٤..
([23]) النساء، الآيات 112:105.
([24]) أخرجه البخاري في صحيحه بعنوان باب العرَض في الزكاة، واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ بن حجر في فتح الباري، ج٤، ص٥٤.
([25]) يوسف بن عبد الله بن عبد البر (أبو عمر) جامع بيان العلم وفضله ج٢، ص٨٤٤، تحقيق أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١٤هـ – ١٩٩٤م، الطبعة الأولى.
([26]) السابق: ج٢، ص٥٩.
([27]) يُنظر: الشيخ محمود شلتوت، مجلة الرسالة، أعداد: ٤٤٩، ،462، 518، عام ١٩٤٢، 1943. كتابه: الإسلام عقيدة وشريعة ص505:492
([28]) مجلة الرسالة، ع 518، 1943.
روابط المقال
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.