السنة والسؤال الصعب: شيخ الأزهر محمود شلتوت في مواجهة السلفية الفكرية المعاصرة
كشف شيخ الأزهر محمود شلتوت أن مدلول السنة في القرن الأول الهجري ليس هو مدلول السنة المتداول لدى السلفية المعاصرة
الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت (1893-1963) شيخ الأزهر ممن انشغلوا بالبحث في التحديات التي تُواجه الفكر الديني، وتفرض أسئلة تحتاج إجابات أكثر تعقيدا من الإجابات الجاهزة التي عادة ما يُرددها الوعّاظ، ولا يكتفي بها الباحثون؛ لذا لم يتردد في طرْح الأسئلة الصعبة حول طبيعة السنة، والتفكير في إجابات لها.. ومن تلك الأسئلة: هل يتفق معنى السنة في استعمال السلفية المعاصرة مع معناها في القرآن الكريم واستعمال المسلمين الأوائل والأصوليين والفقهاء أم لها معانٍ مختلفة؟ هل عرف العرب كلمة “السّنة” قبل الإسلام؟ هل السنّة مأخوذة من كلمة “مشناه” العبرية، التي كان تُطلق على مجموعة الروايات الإسرائيلية، ويعتبرونها شرحا للتوراة؟ هل السنة مأخوذة من التلمود ومتأثرة بالتوراة؟ وهل السنة مساوية للقرآن الكريم؟ وهل المسلمون استبدلوها بالقرآن؟ كيف رأى الخلاف حول حجية الأحاديث النبوية كمصدر في التشريع؟ هل رأَى شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الرافضين لحجية السنة خارجين عن الإسلام؟
كشف شيخ الأزهر محمود شلتوت أن مدلول السنة في القرن الأول الهجري ليس هو مدلول السنة المتداول لدى السلفية المعاصرة، فالسنة في لغة القرآن الكريم والصحابة الأوائل والتابعين ليست الأحاديث النبوية، فالنبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون الأوائل استخدموا السنة في الدلالة على الطريقة العملية المضطردة التي نُقلت عن الرسول نقلا متواترا عمليا معروفا عند الكافة، وهي بهذا المعنى تتفق مع المدلول اللغوي لكلمة سنّة في القرآن الكريم، الذي جاء بمعنى العادة المستمرة، والطريقة المتبعة، فقال تعالى:
“قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ”([1])، “سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا”([2])، “فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ”([3])، “وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا”.([4])
وفي قوله صلى الله عليه وسلم:
“من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة”،([5])
كما جاءت بمعنى “بيان القرآن” في قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ”([6]) فمُهمّتُهُ صلى الله عليه وسلم تبليغ الوحي وما يتصل به من بيانٍ على الوجه الذي ضمّنه الله، وبهذا المعنى عُرفت كلمةُ السنة في صدر الإسلام، ووردت مقترنة بالكتاب في وصايا الرسول في قوله صلى الله عليه وسلم: “تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله”.([7]) وقوله صلى الله عليه وسلم: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي”([8])، وقوله صلى الله عليه وسلم: “من رغب عن سنتي فليس مني”([9])، وبهذا المعنى تكون البدعة المضاد المناسب لكلمة “سنة” التي فسّرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ”([10])، وبما أنّ السنة في كل النصوص القرآنية والحديثية السابقة جاءت بمعنى الطريقة العملية المنقولة بالتواتر في الأمور التعبدية تكون كلمات: “السبيل”، “الصراط”، “الطريقة”، “الطريق المستقيم”، “الأسوة” في القرآن الكريم هي الأقرب إلى أن تكون مرادفة لكلمة السنة في المعنى، ومنها قوله تعالى:
“وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ”([11])، “وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ”.([12]) “وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى”([13])، “وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”([14]) “قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ”([15])، “وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا”([16])، “قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ”([17])، “أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِه”.([18])
وكما ردّ الشيخ بوضوح على من يدّعي أن السنة في لغة القرآن والنبي والصحابة والتابعين هي الأحاديث الآحاد مؤكدا أنّ هذا غير صحيح، وأنّها ظلّت محصورة في الطريقة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم التي مارسها ونُقلت لنا نقلا عمليا، فلم تخرج عن هذا المدلول على مدار قرن من الزمن، كذلك ردّ الشيخ على مَن يدّعي أن السنة مأخوذة من التلمود، وأنّها متأثرة بالتوراة.
فيقول: “زعم بعض الباحثين أن كلمة “سنّة” مأخوذة من كلمة “مشناه” العبرية، التي كان تُطلق على مجموعة الروايات الإسرائيلية، ويعتبرونها شرحا للتوراة، ومرجعا لهم في تعرف أحكامها، وأن المسلمين عربوها بكلمة “سنة”، وأطلقوها هم أيضا على مجموعة الروايات المحمدية، واعتمدوها مصدرا لأحكام دينهم، كما فعل اليهود، ولعلك تعلم مما تقدم فساد هذا الزعم، فإن المسلمين الأوائل لم يستعملوا الكلمة في مجموعة هذه الروايات، وإنما استعملوها كما استعملها القرآن، وكما استعملها النبي صلى الله عليه وسلم في معنى الطريقة العملية التي كان يطبق بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ما يفهمونه من القرآن بوجوه دلالاته المختلفة، وتحري مقاصده التشريعية. وأن إطلاقها على مجموعة الأقوال المروية عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يكن إلا بعد تمام المائة الأولى من تاريخ الإسلام، حيث قصدت الأحاديث والروايات بالجمع والتدوين.
على أن ما أطلقت عليه روايات عن الرسول نفسه صاحب الشرع، لا عن العلماء الذين تناولوا المصدر الأول بالتفسير والبيان على نحو ما حصل في المسمى بكلمة (مشناه) بالنسبة للتوراة. ومع هذا الفارق الكبير فالسنة لم تحل عند المسلمين محلَّ المصدر الأول وهو القرآن المحفوظ بنصّه المتواتر في نقله، بل كانت في المرتبة الثانية، لا يفزع إليها إلا حيث لم يوجد في الكتاب نص واضح في الحكم المطلوب، وعندئذ كانوا يتلمسون الأحاديث إما لمعرفة الحكم، أو لمعرفة دلالة القرآن، فلم تكن عندهم بمثابة الروايات الإسرائيلية التي حلت عند اليهود محل التوراة، وصارت مرجعا لهم في تعرف أحكامها.
على أن هناك ما يقطع في المسألة من جهة أخرى، وهو أن الكلمة عرفت عند العرب قديما، واستعملها القرآن مضافة إلى الله وإلى الرسل، ومضافة إلى الأمم، فلم يأخذها علماء الأصول عن كلمة “مشناه” العبرية، وإنما أخذوها من صميم لغتهم وصريح كتابهم، فالسنة كلمة قديمة معروفة في اللغة العربية بمعنى الطريقة المعتادة، حسنة كانت أم سيئة.
وقد اقتبسها علماء الإسلام من القرآن واللغة، واستعملوها في معنى أخصّ من المعنى اللغوي، وهي بحسب استعمالهم الطريقة المعتادة في العمل بالدين، أو بعبارة أخرى في الصورة العملية التي بها طبَّق النبي وأصحابه أوامر القرآن، على حسب ما تبين لهم من دلالة القرآن ومقاصده.
والخلاصة أن كلمة “سنة” عربية الأصل، وجاءت في القرآن، واقتبسها المسلمون للطريقة التي كان عليها الرسول وأصحابه، وشاع ذلك في الصدر الأول، كما شاعت كلمة “بدعة” في سلوك طريق آخر غير طريقهم، فكيف يصحّ أنّهم اقتبسوها من العبرية؟!
من جانب آخر رصد الإمام تطوّر مدلول السنة بعد القرن الأول وكيف أخذت الكلمة عند علماء الأصول معنى آخر، فاستحدث الأصوليون مدلولا ثالث للسنة يختلف عن مدلوله اللغوي العام وعن مدلولها الخاص المتداول في بيئة القرن الأول، فأصبحت السنة عند الأصوليين: ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، من أقوال أو أفعال، أو تقريرات، اعتقادا منهم في أن مجموع ما أُثر عن النّبي، صلى الله عليه وسلم، هو الطريق الوحيد لتصوير الطريقة العملية التي درج عليها الرسول وأصحابه، فأطلقوا كلمة (سنة) على هذه المجموعة، وجعلوها في المرتبة الثانية من المصادر التشريعية، يستنبطون منها كما يستنبطون من المصدر الأول وهو القرآن، ويرجعون إليها في فهم المراد منه، ومن ذلك قول العلماء: “أصول الشرع: الكتاب والسنة”.
ونظرا إلى ما لها من هذه المكانة، أفردها العلماء ببحوث خاصة ومسائل متنوعة، تتعلق بحجيتها وأقسامها، من جهة القبول والردّ، والصحة والضعف، ومن جهة ما يثبت بها من الأحكام وما لا يثبت، ومن جهة مركزها من الكتاب وتأثيرها فيه وعدم تأثيرها إلى آخر بحوثهم.
وكما أخذت كلمة (سنة) عند الأصوليين هذا المعنى، استحدث الفقهاء لها مدلول/ معنى رابع، وهو الصفة الشرعية للفعل المطلوب ليس على سبيل الوجوب وإنما الاستحباب، بحيث يثاب المرء على فعله، ولا يعاقب على تركه.
والفرق بين اصطلاح الأصوليين واصطلاح الفقهاء، أنها عند الأصوليين: اسم لدليل من أدلة الأحكام، فيقال: هذا الحكم ثبت بالسنة أي لا بالقرآن، أما عند الفقهاء فهي: حكم شرعي يثبت للفعل بهذا الدليل، فيقال: هذا الفعل سنة، أو حكمه السنية، أي ليس فرضا ولا واجبا، فهي على هذا حكم من الأحكام، لا دليل من الأدلة. ([19])
بهذا يكون مدلول كلمة سنة قد مرّ بأربعة مراحل: المعني اللغوي قبل الإسلام وهو المعني نفسه في القرن الأول منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي لغة القرآن الكريم ووصايا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم معناها عند الأصوليين ثم الفقهاء ثم السلفية المعاصرة.
يُتبع
_______________________________________________________
المصادر والمراجع:
([1]) سورة آل عمران، الآية١٣٧.
([2]) سورة الإسراء، الآية٧٧.
([3]) سورة الأنفال، الآية٣٨.
([4]) سورة الأحزاب، الآية٦٢.
([5]) أخرجه مسلم في صحيحه ١٠١٧ برواية جرير بن عبد الله.
([6]) سورة القيامة، الآية١٩،١٨.
([7]) أخرجه البغوي في شرح السنة ٧/٢٠٦ برواية أبي سعيد الخدري.
([8]) أخرجه البزار في جامع بيان العلم ٢/٩٢٤ برواية العرباض بن سارية.
([9]) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد في جامع بيان العلم ٣/١٩٦ برواية مجاهد بن جبر المكي.
([10]) أخرجه البخاري في صحيحه،٢٦٩٧ برواية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
([11]) سورة الأنعام، الآية٥٥.
([12]) سورة الأعراف، الآية ١٤٢.
([13]) سورة النساء، الآية١١٥.
([14]) سورة يونس، الآية٢٥.
([15]) سورة الأحزاب، الآية٢١.
([16]) سورة الجن، الآية١٦.
([17]) سورة الأحقاف، الآية٣٠.
([18]) سورة الأنعام، الآية١٥٣.
([19]) يُنظر: الشيخ محمود شلتوت، مجلة الرسالة، أعداد: ٤٤٩، ،462، 518، عام ١٩٤٢، 1943. كتابه: الإسلام عقيدة وشريعة ص505:492
روابط المقال
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل
أ.د عبد الباسط سلامة هيكل، باحث وأكاديمي مصري، متخصص في تحليل بنية الخطاب الديني والدراسات القرآنية المعاصرة، يعمل أستاذا لعلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، شارك وأشرف على العديد من المشروعات العلمية، والدراسات، والأبحاث من كتبه المنشورة:"إصلاح الوعي الديني: مفاهيم ومقاربات"، “باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحى”، “الحب والحقد المقدس عبدالوهاب عزام وأيمن الظواهري”، “المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني”، “إشكاليات نقدية”، “مصادر الإسلاميين: جذور الصناعة الحركية”، “التأويليات والفكر العربي، “التطرف في فكر الجماعات الإسلامية نحو مقاربات تفسيرية”، “إشكاليات فكرية تُواجه العقل المستقيل”، حصل على جائزة الفكر الإسلامي من مؤسسة المستشار الفنجري ٢٠١٤، رئيس مؤسسة نور مصر للعلوم والفنون.