طه حسين والقرآن الكريم: بين الاختزال الأيديولوجي والقراءة الإبستمولوجية
د. عبد الباسط هيكل - د. رغد صفوت
تُعد علاقة طه حسين بالقرآن الكريم من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر العربي الحديث. غير أن هذا الجدل لم يجرِ في الغالب على أرضية معرفية خالصة، بل ارتبط بصراعات فكرية وأيديولوجية جعلت كثيرًا من الباحثين يتوقفون عند صفحات محددة من كتاب في الشعر الجاهلي، ويُهملون بقية المشروع الفكري لصاحبه. ومن ثم فإن إعادة النظر في هذه العلاقة تقتضي التحرر من الأحكام المسبقة والعودة إلى قراءة شاملة لمجمل أعماله وسياقها التاريخي والمعرفي.
أولًا: السياق الفكري لظهور الإشكالية
جاء مشروع طه حسين في مرحلة شهدت تحولات عميقة في العالم العربي، حيث برزت أسئلة النهضة والتجديد، واحتدم النقاش حول العلاقة بين التراث والحداثة. وقد تأثر طه حسين بالمناهج النقدية الحديثة التي اطلع عليها أثناء دراسته في فرنسا، ولا سيما المنهج التاريخي والنقدي الذي كان سائدًا في الدراسات الإنسانية آنذاك.
في هذا السياق حاول تطبيق بعض تلك المناهج على التراث العربي، فصدر كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي أثار عاصفة من الجدل تجاوزت حدود البحث الأدبي إلى المجال الديني والسياسي. ومنذ ذلك الحين أصبح الكتاب هو العدسة التي نظر من خلالها كثيرون إلى موقف صاحبه من القرآن الكريم، رغم أن الكتاب لا يمثل إلا جزءًا محدودًا من مشروعه الفكري الممتد.
ثانيًا: القرآن الكريم في كتاب "في الشعر الجاهلي"
اعتمد طه حسين في كتابه على منهج نقدي يقوم على الشك المنهجي في الروايات التاريخية والأدبية الموروثة. وفي أثناء تطبيقه لهذا المنهج تناول بعض الروايات المرتبطة بتاريخ العرب قبل الإسلام، فذهب إلى أن جانبًا من الشعر المنسوب إلى العصر الجاهلي قد وضع بعد الإسلام لأغراض سياسية أو قبلية أو لغوية.
وقد أثارت بعض عباراته المتعلقة بقصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم ردود فعل واسعة، إذ رأى خصومه أنها تمثل تشكيكًا في حقائق دينية ثابتة. أما هو فكان يؤكد أنه يميز بين الإيمان الديني من جهة، والبحث التاريخي من جهة أخرى. وسواء اتفق الباحث مع هذا التمييز أم اختلف معه، فإن القضية في جوهرها كانت تتعلق بحدود المنهج النقدي وإمكان تطبيقه على النصوص المرتبطة بالتاريخ الديني.
لقد أدى هذا الجدل إلى محاكمة فكرية وقضائية للكتاب، وانقسم المثقفون بين مؤيد ومعارض، حتى غدا اسم طه حسين مقترنًا بهذه الأزمة وحدها، وكأن بقية إنتاجه الفكري لا وجود لها.
ثالثًا: حضور القرآن الكريم في مشروع طه حسين الفكري
عند تجاوز كتاب "في الشعر الجاهلي" والنظر في بقية مؤلفات طه حسين، تتكشف صورة أكثر تعقيدًا مما يقدمه الجدل التقليدي. فالقرآن الكريم حاضر بقوة في كتاباته الأدبية والفكرية، سواء من خلال الاستشهاد بآياته أو من خلال حديثه عن أثره في تكوين اللغة العربية والثقافة الإسلامية.
لقد نظر طه حسين إلى القرآن باعتباره النص الذي منح العربية وحدتها الكبرى، وصاغ وجدان الأمة الثقافي والحضاري. وفي العديد من كتبه ومقالاته تبدو معرفته العميقة بالنص القرآني واضحة من خلال توظيفه البلاغي واللغوي المتكرر.
كما أن أعمالًا مثل على هامش السيرة والفتنة الكبرى تكشف عن اهتمام واسع بالتاريخ الإسلامي المبكر وبالشخصيات المؤسسة للحضارة الإسلامية، وهو ما يجعل اختزال موقفه في بعض صفحات كتاب واحد أمرًا يفتقر إلى الدقة العلمية.
رابعًا: بين القراءة الأيديولوجية والقراءة الإبستمولوجية
تكمن المشكلة الأساسية في أن طرفي الجدل مارسا نوعًا من الاختزال. فبعض خصوم طه حسين قرأوا مشروعه كله من خلال بضعة مقاطع مثيرة للجدل، وانتهوا إلى اعتباره خصمًا للقرآن أو للدين. وفي المقابل، اكتفى بعض المدافعين عنه بتقديمه بوصفه ضحية لتيارات محافظة دون التوقف مليًا عند الإشكالات المنهجية الحقيقية التي أثارتها أطروحاته.
أما القراءة الإبستمولوجية فتسعى إلى تجاوز هذا الاستقطاب، فتنظر إلى القضية باعتبارها جزءًا من إشكالية أوسع تتعلق بعلاقة المناهج الحديثة بالتراث العربي الإسلامي. ومن هذا المنظور يصبح السؤال المركزي ليس: هل كان طه حسين مع القرآن أم ضده؟ بل: كيف فهم طبيعة النصوص الدينية والتاريخية؟ وما حدود المنهج النقدي الذي حاول توظيفه؟ وإلى أي مدى نجح أو أخفق في ذلك؟
إن هذه المقاربة لا تعني إلغاء النقد أو تبرير الأخطاء، وإنما تعني إعادة القضية إلى إطارها العلمي بدلًا من إبقائها أسيرة الاستقطاب الفكري.
علاقة طه حسين بالقرآن الكريم أعقد بكثير من الصورة التي رسمتها المعارك الأيديولوجية حوله. فالرجل لم يكن مجرد صاحب موقف عابر في كتاب "في الشعر الجاهلي"، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل تشكل فيه الثقافة القرآنية عنصرًا أساسيًا من عناصر التكوين المعرفي واللغوي. ولذلك فإن الإنصاف العلمي يقتضي قراءة تجربته كاملة، لا الاكتفاء بانتزاع نصوص محددة من سياقها التاريخي والفكري، لأن فهم المفكرين لا يتحقق عبر محاكمتهم بنص واحد، وإنما عبر استيعاب مجمل مشروعهم وأسئلتهم ومقاصدهم المعرفية.
رابط اللقاء: